الفساد (38) الإعلام من البناء إلى الهدم (2-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ويضيف: (خطأ شديد أن يعرض هذا الكم من المسلسلات في شهر واحد، نحن أمام 40 مسلسلا كل منها 30 حلقة، أي أننا أمام 1200 حلقة، أي: 1200 ساعة، أي: أننا أمام 40 ساعة مسلسلات كل يوم، وهذا يعني أن المطلوب من المصريين أن يحصلوا على إجازة كاملة طوال شهر رمضان من أعمالهم لكي يتفرغوا لمشاهدة مسلسلات رمضان، وإذا أضفنا لذلك كله تكاليف إنتاج هذه المسلسلات وقد تجاوزت المليار جنيه فلنا أن نتصور كم من الأموال تكلفت هذه المسلسلات يوميًّا طوال الشهر)، (نأتي بعد ذلك إلى لعنة أخرى وهي الإعلانات التي حرمت المشاهد من أن يرى خمس دقائق كاملة من أحداث المسلسل، إن إعلانات تستغرق ساعة كاملة وأكثر من زمن المسلسل، أما الأحداث على الشاشة فهي لا تتجاوز عشر دقائق كل يوم، وكانت النتيجة هي الشعور بالملل، ورفض الكثيرون مشاهدة هذه المسلسلات. إن تقديم الأعمال الفنية بهذه الصور وسط دوامات الإعلانات أفقدت المشاهد متعة أن يتابع أحداث المسلسل، أو أن يشاهد حلقة من حلقاته بالكامل، وكانت النتيجة أن المشاهد يعبث طوال الليل متنقلًا بين القنوات حيث لا متعة ولا فن ولا حتى راحة بال، إن المعارك الدائرة على الإعلانات بين القنوات الفضائية والمسلسلات مهزلة لا بد أن توضع لها نهاية، ولنا أن نتصور أكثر من ملياري جنيه أموالًا ضائعة ما بين مسلسلات لا يتابعها أحد، وإعلانات تستنزف الوقت والعمر وصحة المشاهدين).
ويضيف: (كانت آخر المهازل في دنيا المسلسلات والإنتاج والإعلانات هي برامج المقالب، وهي إهانة للفن المصري)، (ولا يعقل أن يفرط الفنان في تاريخه من أجل بضعة دولارات يتحول فيها إلى أضحوكة للمشاهدين)، (ولنا أن نتصور الضرب بالشلاليت والألفاظ والشتائم البذيئة، وحالات الإغماء التي تهدد حياة البعض، والعالم العربي كله يشاهد هذه الفضائح على الشاشات)، (لقد أساءت هذه البرامج التافهة لكل من يشارك فيها خاصة أنها تحولت إلى ظواهر عنف تهدد حياة المشاركين ما بين الإغماء والعصبية والتطاول وكلها أشياء لا تليق). ويقول: (تبقى بعض التساؤلات حول هذا الكم من الأموال التي أنفقت على إنتاج هذه المسلسلات وما هي مصادر تمويلها؟ إن البعض يرى أن هناك مبالغات شديدة في حجم الأموال التي يحصل عليها الفنانون في هذه الأعمال، وأن هذه الأموال تحمل رسالة أكبر من مجرد إنتاج مسلسل؛ لأن تشويه الدراما المصرية بهذه الصورة وبحيث تبدو بهذه السطحية وهذه الضحالة وهذا الابتزاز يمثِّل هدفًا في حد ذاته. لا أعتقد أنه يضير أحدًا أن نسأل عن مصادر عن مصادر تمويل هذه المسلسلات، ومَن الذي دفع مئات الملايين لإنتاج هذا الفن الساذج.
الجانب الثاني في هذه القضية هو: تشجيع هذه النماذج الفجة في الأعمال الدرامية، والتي تصور لنا خرائب بشرية في السلوك والأخلاق ولغة الحوار، دون أن تقدِّم نموذجًا واحدًا إيجابيًّا؛ لمصلحة مَن أن تبدو مصر بهذه الصورة الكريهة في عيون الناس؟! لا ننكر أن هناك شيئًا من الحقيقة، ولكن هل المصريون بكل هذه السوء الذي نقدمه في مسلسلات رمضان كل عام؟!)، (هل هذه هي حقيقة ما يجري في مصر ما بين العنف والقتل والمخدرات، والشم والإدمان والخيانات الزوجية والرقص بكل أنواعه)، (ألا توجد جهة لتقييم مثل هذه الأعمال من الناحية الفنية والأخلاقية والسلوكية، وهل من حق أي شخص لديه دولارات أن يدخل مجال الإنتاج ليفسد أذواق أجيال كاملة ويشوه أفكارهم وسلوكياتهم ويمضي؟!).
ويختم مقاله بقوله: (إذا كانت لدينا صناعات تحت السلم، فهناك أيضًا مسلسلات وأعمال فنية تدخل في هذا الإطار، وهي نماذج مشوهة حيث لا نص ولا فكر ولا قدوة ولا إحساس بالمسئولية، على الشاشات نماذج كريهة لمجتمع وصل إلى أقصى درجات السقوط والانحطاط، وهذه ليست مصر التي نراها كل يوم في وجوه ملايين البسطاء الفقراء الذين يقاومون الفقر بالكبرياء) (المقال السابق بتصرف) .
وفي مقال آخر لنفس الكاتب في الأهرام الأسبوعي يوم الجمعة 15 مايو 2015 م بعنوان: (كيف يدمِّر الإعلام شعبًا؟) يقول: (ماذا يعني أن ننشر ونذيع ونقدم على الشاشات هذه الصور الفاضحة والمخجلة لبعض حالات من زنا المحارم؟! وكيف تحولت إلى ظاهرة، وكأن البيوت تحولت في مصر إلى أوكار لأحط أنواع الرذيلة؟!)، (وما ذنب الأسرة المصرية في أن تجلس أمام الفضائيات ويشاهد أبناؤها هذه الانحرافات المخجلة؟!)، (هل يمكن أن يكون الأب المدمن الذي فقد عقله صورة نقدمها في الصحافة أو على الشاشات وكأنها واقع اجتماعي يجتاح المجتمع كله؟!).
ويضيف: (إن الإصرار على تقديم هذه النماذج الكريهة يحمل نوايا خبيثة لتدمير الأسرة المصرية، وتشويه صورة مصر أمام العالم كله)، ويقول في موضع آخر من المقالة: (لماذا هذا الكم الرهيب من البرامج الجنسية التي تأتي في صورة تتسم بالبجاحة والوقاحة والإسفاف، وهي تطالب بتقديم الثقافة الجنسية للأطفال في سنواتهم الأولى؟! وهل يمكن أن تقدم مثل هذه البرامج بهذه الفجاجة وهذه السوقية؟! إن الأزمة الحقيقية أنها تقدم من خلال أطباء وخبراء جعلوا منها وسيلة ارتزاق وجمع للأموال، ألا تكفي فضائيات بيع وترويج المنشطات الجنسية وهي بالعشرات؟! ألا تكفي المسلسلات الهابطة العارية التي تشجع الإسفاف؟! ولماذا كل هذا الإلحاح في تقديم هذه النوعية من البرامج، وليس هدفها غير المزيد من جمع المال؟!).
ويضيف الكاتب مستنكرًا: (لنا أن نتصور شابًا بلا عمل يجلس أمام الشاشات السوداء طوال اليوم وهو ينتقل بين القنوات ليشاهد صورة من زنا المحارم، والأب الذي يغتصب ابنته، ثم ينتقل إلى برنامج عن العلاقات الجنسية بين الشواذ، ثم يشاهد عشرات الإعلانات عن المنشطات الجنسية، ثم يرى برنامجًا عن الرجال المتحولين أو النساء المتحولات، وكيف يذهب المئات من الرجال لتحويل أنفسهم إلى نساء في شرق آسيا من أجل ممارسة الدعارة في العواصم العربية، وما هو مصير هذا الشاب بعد أن يضرب عشرين سيجارة بانجو وربما أخذ حقنة هيروين!).