شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (43) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (1-5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وفي دراسة أخرى أجريت في نفس الفترة مع الطلبة العرب الذين يتخصصون في الدول الأجنبية كشفت أن الأوضاع السياسية المتخلفة في الوطن العربي هي المسئولة عن هجرة العلماء والخبراء وبقاء الطلاب في أمريكا، وبينت أن أبرز مظاهر هذا التخلف السياسي يتمثل في: الزعامة الرجعية، وكبت الحريات السياسية، وغياب الحكومات الشعبية، وعدم كفاية أعداد الزعماء، وعدم الإخلاص للجماهير، وتغلب الأنظمة العسكرية على الحكم، وعدم كفاية النضوج السياسي وعدم الاستقرار، واضطهاد الحكومات للمثقفين، وأقوال بلا أعمال، ونقص في الديمقراطية (راجع المصدر السابق، ص 52) .

(ويشير الدكتور إلياس زين في دراساته حول أسباب الهجرة بأن حركة الهجرة العلمية والفنية تزداد إبان الأحداث الدامية وعدم الاستقرار السياسي والأمني، ولعل أكبر دليل على ذلك أزمة لبنان والحرب الأهلية فيها، ففي إبان الأحداث الدامية (1975 - 1977 م) وصلت نسبة الذين غادروا لبنان 50 بالمائة من الأطباء، و48 بالمائة من المهندسين)، (ولعل الأوضاع السياسية في بلدان المهجر وخاصة الولايات المتحدة تعتبر عاملا جاذبًا للمهاجرين؛ لأنها تتسم بالاستقرار السياسي والحرية الديمقراطية، وهذا ما يشجع العلماء والخبراء على الهجرة، وكذلك الطلاب على البقاء والعيش هناك) (المصدر السابق، ص 53) .

البيروقراطية والتعسف الإداري:

ترتبط بيروقراطية المؤسسات والأعمال الإدارية في أي مجتمع بالواقع السياسي والنظام الاقتصادي، وتنعكس عنهما بشكل وثيق، ففي معظم دول العالم الثالث نوع من المركزية في اتخاذ القرار الإداري بحيث لا يسمح لأي إدارة أن تتخذ أي قرار في أي شأن، ويعاني أصحاب الكفاءات من هذه المساوئ.

ومن صور ذلك:

أ- سيطرة الروتين الإداري: الذي يتسبب في إضاعة الوقت والأموال والجهود دون مردود ملموس، ويترتب عليه ازدحام الدوائر الحكومية بالموظفين والمتعاملين معهم، مع ضعف العمل والإنجاز من الناحية الإنتاجية.

ب- عرقلة ما يحتاج إلى سرعة في القرار والحل: فالتأجيل لما يحتاج إلى قرار أو حل سريع يوقع في أزمات أو في ضياع فرص، ويؤثر على الإنجاز، ويسبب إضرارًا بالمواهب والكفاءات، خاصة من يعودون من أوروبا وأمريكا بأعلى التخصصات فيجدون أنفسهم في مواجهة ظروف مليئة بالقيود الإدارية والتعسف البيروقراطي، وهذا يدفع ذوي المؤهلات على الهجرة كمخرج من هذه القيود (راجع المصدر السابق، ص 55) .

ج- كثرة العراقيل والمماطلات: والتي تبدو أحيانًا أنها مقصودة، ويترتب عليها احتضار المشاريع وموتها ربما قبل ولادتها، أو تعرضها للتعطيل وللإهمال أو للإلغاء، من خلال عناصر لا تبالي بتعويق النهضة والتنمية في البلاد، أو تسعى لاستقدام الخبراء الأجانب للقيام بعمليات البناء على حساب الكفاءات الوطنية.

د- بيروقراطية التعليم: فلقد تحولت الجامعات والمعاهد إلى مؤسسات بيروقراطية تخرج مئات الألوف من الطلبة الذين نادرًا ما يجدوا مجالًا للعمل فيما تخصصوا فيه، فالتعليم في بلادنا (لا يرتبط بالمجتمع ولا بالتنمية ولا بسوق العمل العربي، ولا بد أن نتساءل: ما أهداف الجامعة في كل وطن عربي، وما الروابط بين ما تقوم به وبين ما يحتاجه المجتمع وينتظره ويتوقعه منها؟ إن الهجرة العلمية التي تمثل استمرار النزيف هي عمومًا دليل صارخ على أن التربية ومناهجها في الوطن العربي ليست سبيلًا إلى التنمية، ولكنها الجسر المؤدي إلى الهجرة) (المصدر السابق، ص 56 بتصرفٍ) .

(وقد أشارت جريدة السفير اللبنانية في عددها الصادر في 10 /11 / 1974 م بأن معظم الجامعات في بلادنا تؤهل الأطباء على الطريقة الغربية دون مراعاة للأوضاع المحلية وحاجات البلاد ومتطلبات المجتمع، وإن الذي يدفع الطبيب للهجرة هو شعوره بأن طبيعة تدريبه في شكله وجوهره معد لخدمة مجتمع غير مجتمعه. ويشير مصدر آخر: بأن التخلف الصحي والطبي في المؤسسات والوسائل غالبًا ما يدفع ذوي الخبرات للهجرة، وتشير الدراسة بأن هجرة الأطباء والممرضات تعود إلى تخلف الأجواء الطبية، ومن أبرز مظاهر هذا التخلف: قلة المؤسسات الطبية كالمستشفيات والعيادات، أو عدم وجودها في بعض المناطق من البلاد، ويزيد الأمر تعقيدًا: البطء في تنفيذ المشاريع الطبية) (المصدر السابق، ص 53) .

انعدام البحث العلمي الجاد:

فتفتقد بلادنا الاهتمام بالبحث العلمي الجاد، وتفتقد الحرية الأكاديمية للباحث.

ومن نتائج ذلك:

- ضحالة البحوث العلمية الجادة.

- انعدام الابتكار والتجديد والإبداع، فأكثر ما يوجد من إنتاج نظري أو عملي لا يخرج عنه كونه منقولًا أو مترجمًا، والإنتاج الجيد منها قليل نادر أو مضطهد أو مستبعد!

- عدم وجود ارتباط بين خطط التنمية من جهة، والإنتاج والبحث العلمي من جهة أخرى.

- نقص الإمكانيات المطلوبة للبحث العلمي الجاد لنقص الاعتمادات الكافية للبحث العلمي اللائق، فالأجهزة الحديثة والمختبرات عالية التجهيز مفقودة، وما وجد منها لا يجد الكوادر الفنية المحلية لاستخدامها، وما يستخدم منها لا تجرى لها أعمال الصيانة اللازمة، بل هناك أجهزة ثمينة مستوردة أكلها الغبار في المخازن ولم تستخدم لسنواتٍ عن قصدٍ -أو بغير قصدٍ- بعد أن كلفت الدولة الملايين من الجنيهات، ومنها ما صمم لتدريب علماء في الذرة والبحوث الالكترونية والكيمياء، ولكن المناخ العلمي الجاد غير متوفر لها.

- معظم البحوث وجدت لغايات نفعية كحصول الباحث على درجة يترقى بها، ونادرًا ما تتسم بالمستوى العلمي اللائق؛ لذا فالإنتاج العلمي الجاد في البلاد العربية ضئيل جدًّا.

الأسباب الاجتماعية:

فالتخلف الاجتماعي المرتبط بالتخلف الاقتصادي يجعل النظام الاجتماعي القائم لا يمنح أفراد المجتمع الفرص المتساوية، ولا تعترف بكفاءة الإنسان وقدراته ومؤهلاته، حيث تنتشر المحسوبية والمجاملات، وتتعثر الكفاءات العلمية والفنية، وتقل فرصة عملها إن وجدت، ومع خيبة الأمل واليأس أحيانًا تكون الهجرة إلى خارج الوطن.

ويساهم في ذلك:

- ازدياد معدل النمو السكاني مع افتقاد التنسيق وحسن التوزيع للسكان على أرض الوطن، فتتكدس الجموع على شريط ضيق لا يتعدى 6 % من مساحة البلد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية