مَن للأقصى اليوم... ؟!
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
لذلك ليس الأمر وليد اللحظة، وكذلك لن يكون الطريق في لحظة، هذا الذي يستصعب الطريق لطوله؛ نقول له لابد أن تسير فيه؛ هو أقصر الطرق رغم ذلك، وهو الطريق المستقيم، والجهاد له سبيله وصراطه الذي يجب أن نسير فيه من الآن بالتربية الإيمانية، بالإعداد بقلوبنا وأعمالنا وأخلاقنا، ودعوتنا إلى الله -تعالى-، وتعاوننا على البر والتقوى، وإقامة الدين في أنفسنا وفيمن حولنا، وأن نوقظ الهمم للالتزام بدين الله -سبحانه وتعالى-.
ونعلم في كل ذلك: أن الله -عز وجل- إنما أصابنا بما أصابنا لننكسر له -عز وجل- لا إلى عدونا، إن الله -سبحانه وتعالى- أبى لنا -شرعًا- أن ننكسر لعدونا، ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (آل عمران:139) ، قالها لهم مع الهزيمة؛ لذا قالوا كما أرشدهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم- لما قال أبو سفيان: "أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ"، قال: ( قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ )، قال أبو سفيان: "إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ ) (رواه البخاري) .
ولا سواء بيننا وبينهم، فقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، فقد نُغلب؛ لكن لا ننكسر إلا لله -سبحانه وتعالى-، ونأبى الهوان والذل للأعداء ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (آل عمران:146-147) .
نعم ننكسر لله -عز وجل-، والشعور بالعجز إلا مِن حول الله وقوته، وأن الصدور قد ضاقت إلا مِن فرج مِن عنده -سبحانه وتعالى-، شعورنا بأننا انكسرنا لله وخضعنا له، وأصابنا ما أصابنا وتضرعنا، ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) (الأنعام:43) ، نعوذ بالله من قسوة القلب.
ووالله، هذا الذي يفتح الله -سبحانه وتعالى- به الأبواب، وقد أقسم الله -تعالى- بعزته وجلاله لينصرن دعوة المظلوم ولو بعد حين، وهو -سبحانه وتعالى- حكم عدل.
والله -عز وجل- قال لبني إسرائيل لما ذكر تمكنهم وتسليط العدو عليهم بما أحدثوا، وقد وقع ذلك في التاريخ الماضي: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) (الإسراء:4-8) .
هذه الآيات نستفيد منها فائدة عظيمة، فعندما كان بنو إسرائيل مسلمين، وعندما كان عندهم بقية من إيمان، ولكن وجد منهم الانحراف؛ سلط الله عليهم عدوهم حتى دمروا ما علوا عليه من بلادهم تتبيرًا، ودخلوا المسجد.
وليس هذا بدخول المسلمين إلى بيت المقدس في آخر الزمان، ولا ظهور الإسلام فيه، وهو حاصل بإذن الله، ولكن ليس المقصود من الآية، فإن المسلمين لو دخلوا المسجد عظموا المسجد وما تبروا ما علوا تتبيرًا، كما فعلوه عندما دخلوه في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فعظموا بيت المقدس، وعظموا المسجد الأقصى وطهروا تلك الصخرة مما كان فيها من الأدناس، وكذا فعلوه عندما دخلوه في عهد صلاح الدين -رحمه الله تعالى-.
وكذلك إذا مكنهم الله من اليهود وزعيهم الدجال على يد المسيح -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم لن يدمروا تلك البلاد المكرمة المقدسة المشرفة، ولكن هذا الذي وقع من الكفرة عندما سلطهم الله على بني إسرائيل، عندما كان فيهم مؤمنون، ليرحمهم -سبحانه وتعالى-، فنقول: "عسى ربنا أن يرحمنا إن نحن عدنا"، نحن ابتلينا لنعود، نحن لم نبتلَ كي نظل على ما نحن عليه ولكي نزداد خطايا وذنوبًا وبدعًا ومعاصٍ، وشركًا وضلالًا، الله ابتلانا ليرحمنا إذا عدنا، إذا استفدنا من الدرس.
فنريد أن نستفيد من هذا الدرس، حين دنس المجرمون المسجد الأقصى، وحين قتلوا المسلمين شر مقتلة -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، لكن يجعل الله في ذلك خيرًا، فإنه بظلم هؤلاء اليهود يمحقهم الله -عز وجل-، ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين ) (آل عمران:140-141) .
هو -سبحانه- يريد محقهم وتدميرهم، فإنهم إذا بغوا نصرنا الله -سبحانه وتعالى- عليهم، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (القصص:4-6) .