شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (46) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (4-5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

قوله -تعالى-: ( ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) يعني: مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه بتركهم الهجرة وقد وجبت عليهم، ومكثوا في دار الهوان يضطهدهم العدو، ويمنعهم من دينهم، ويحول بينهم وبين عبادة ربهم، هؤلاء الظالمون لأنفسهم تقول لهم الملائكة عند قبض أرواحهم: ( فِيمَ كُنْتُمْ ) أي: في أي شيء كنتم من تطبيق أحكام دينكم وإظهار شعائره.

قوله -تعالى-: ( كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ )، قالوا ذلك تبريرًا لتقاعسهم عن الهجرة، ولم يقبل منهم هذا التبرير. قال الطبري: "( كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ): يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، معذرة ضعيفة وحجة واهية). وقال القرطبي -رحمه الله-: (اعتذار غير صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل).

قوله -تعالى-: ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ): أي فتعبدوا ربكم. قال القرطبي -رحمه الله-: (وفي هذه الآية: دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي). قال ابن كثير -رحمه الله-: (فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل مَن أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية).

2- قوله -تعالى-: ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ) (النساء:100) ، قال ابن كثير في تفسيرها: (هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه).

3- قوله -تعالى-: ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ) (هود:113) . قال الجزائري في (نهر الخير على أيسر التفاسير): (فيها دليل على وجوب هجران أهل الكفر والمعاصي، وأهل البدع والأهواء، فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة).

4- قوله -تعالى-: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) (العنكبوت:56) . قال ابن كثير -رحمه الله-: (هذا أمر من الله -تعالى- لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين بأن يوحدوا الله -تعالى- ويعبدوه كما أمرهم) (راجع المصدر السابق، ص 14 - 19) .

أما الأحاديث النبوية في ذلك:

1- عن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: ( لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، ورواه الطبراني في الكبير مختصرًا بلفظ: ( مَنْ أَقَامَ مَعَ المُشْرِكِينَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَةُ ).

قال ابن العربي عن الحديث: (فيه أن الله حرَّم أولًا على المسلمين أن يقيموا بين أظهر المشركين بمكة، وافترض عليهم أن يلحقوا بالنبي -عليه السلام-، فلما فتح الله مكة سقطت الهجرة، وبقي تحريم المقام بين أظهر المشركين). وقال الخطابي في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "( لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا ): وقال بعضهم: إن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها".

قال ابن القيم -رحمه الله-: (والذي يظهر من معنى الحديث أن النار هي شعار القوم عند النزول وعلامتهم وهي تدعو إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم).

وقال الصنعاني -رحمه الله-: (والحديث دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين) (راجع المصدر السابق، ص 20 - 22) .

وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: (وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر، ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله، وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد، ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه، وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم) (شرح الأصول الثلاثة، ص 138) .

2- عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تُسَاكِنُوا المُشْرِكِينَ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني بمجموع طرقه) ، قال الشوكاني في نيل الأوطار: (فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم).

3- عن معاوية بن حيدة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ أَشْرَكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ، عَمَلًا حَتَّى يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ) (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني) . قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: "( أَوْ يُفَارِقُ ) أي: إلى أن يفارق، فالمضارع منصوب بعد (أَوْ) بمعنى: إلى أن، وحاصله: أن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام واجب على كل مَن آمن، فمن ترك فهو عاص يستحق رد العمل، والله تعالى أعلم). ويستثنى من ذلك المستضعفين، ومن كان في إقامته هناك عون للمسلمين مع إظهار تام لشعائر دينه كما بينا من قبل).

الصفحة السابقة الصفحة التالية