الفساد (47) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (5-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
إن الشكاوى لا تنقطع مِن أصحاب الكفاءات وذوي المؤهلات من الطرق الروتينية التي تقابلهم في التعامل مع الموظفين الإداريين، وهي تشير إلى:
- أن العمل عندنا ليس له مواصفات ومسئوليات محددة؛ ولهذا فالموظف لا يعرف على وجه الدقة ما هو مطالب به مِن واجباتٍ محددةٍ.
- أن الضمير والوعي والوجدان كلها أمور مفقودة عند الكثير من الموظفين، وهي أمور تحتاج إلى تربية منذ الطفولة، ويزيد الأمرَ سوءًا غيابُ المراقبة والمتابعة، والثواب والعقاب.
- أن التعيين للموظفين يتم غالبًا بناءً على المحسوبية والواسطة، لا على القدرات والكفاءة والخبرة والعلم؛ ولذا فإداراتنا سيئة.
- افتقاد التدريب العملي للموظفين سواء التدريب قبل التعيين وهو تدريب أساسي، أو التدريب أثناء العمل للتعرف على كل ما هو جديد، وتصحيح ما يوجد من خلل، وبدون هذين النوعين من التدريب فلا أمل في أي إصلاح للنظام الإداري.
5- توفير البيئة العلمية والمناخ العلمي الجيد الذي يساعد العلماء على إطلاق القدرات ويولد الإنجازات الكبيرة، ويبرز الإنتاج العلمي إلى الوجود (والذي نعنيه بالمناخ العلمي هو تأسيس الجمعيات ومراكز البحوث العلمية، والانفتاح العلمي على الخارج والاتصال بأحدث التطورات العلمية والتكنولوجية في العالم، وتخصيص المبالغ اللازمة للحد من التخلف العلمي، وإشراك العلماء والمتخصصين بالمؤثرات العلمية الدولية والمحلية بناءً على قدراتهم ومقدرتهم دون محاباة وتمييز وتفرقة)، (وتزويد المكتبات بأحدث المراجع والمصادر، وتسهيل استخدامها في البحث كعامل مساعد دون عوائق)، (والسماح للأساتذة بالتفرغ تفرغًا كاملًا أو نصف وقت للإنتاج العلمي دون إملاء وقته بتفاهات روتينية وإدارية، تمتص منه الوقت والجهد وتحول عمله إلى مجرد عبث غير منتج واستنزاف. ويرتبط بضمان المناخ العلمي: إقامة الندوات، وتشجيع المحاورات والمناظرات، إلخ).
6- توفير الحرية الأكاديمية والشخصية: فالحرية في الحدود المعقولة جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان وكرامته، ولا بحث علمي جاد بدون كرامة وحرية في إطار مؤسسات الدولة، وفي وجود قضاء عاجل وإعلام هادف.
7- ضمان حد أدنى معقول من الاستقرار المادي والنفسي للكفاءات العلمية: فانعدام الرضا من أسباب عدم البقاء داخل البلاد، والتوجه إلى الخارج حيث الاستقرار المادي والنفسي، (فتأمين ظروف العيش الكريم الملائم، وظروف العمل العادلة هي الخطوات الأولى في هذا السبيل)، والاستقرار النفسي يتطلب المسارعة والمبادرة في رسم خطة عملية تتجسد بالتزامات وتعهدات من الدولة في تأمين الاستقرار المادي والسكني، والاجتماعي والسياسي، والعائلي، والعلاجي، والفكري والعلمي؛ وإلا فلن يكون هناك استقرار نفسي.
8- تعديل وتصحيح التشريعات المنظمة للهجرة: فللقانون دوره في إحداث التغيير حين يوضع موضع التنفيذ، والدول المتقدمة تضع تشريعات وقوانين تجذب -وبقوة- خيرة العلماء والمتخصصين، وللحد من الهجرة للخارج؛ فلا بد من إصدار تشريعات وقوانين تحد من الهجرة، وتجذب أصحاب الكفاءات للبقاء في بلادنا.
9- التطوير والتنمية الاقتصادية بعيدة المدى للتخلص من التخلف الاقتصادي والاجتماعي والحضاري الذي ترزح البلاد تحته، فالتغني بالماضي والانجراف وراء المسكنات التي تطلقها أجهزة الإعلام ليل نهار لا تحجب الحقيقة التي نعيشها، ولا بد من التغيير الشامل في نظام الإنتاج والاقتصاد، ومن خلال التنمية الاقتصادية وتصعيد مشاريع التنمية يتم توفير وظائف وتخفيف البطالة.
10- التخطيط التربوي بعيد المدى: فالتربية العملية صناعة لإنسان مدرب فكريًّا وعمليًّا للمشاركة في بناء المجتمع، وللأسف فالتربية عندنا تربية عشوائية مزاجية تحتاج إلى إعادة تحديد الأهداف ووسائل تحقيقها ومناهجها ونشاطاتها، إننا نحتاج إلى ثورة في التربية. (إن التخطيط التربوي سيضع على المدى البعيد يده على إعادة تحديد أهداف التربية لبلادنا، ووسائل تحقيقها ومناهجها، وإطاراتها ومؤسساتها ونشاطاتها. وهذه الأسس الستة للتخطيط التربوي تعني إحداث ثورة في التربية يتولى إقامتها التخطيط، وعندها نضمن تخفيف حدة الهجرة إلى الخارج.
11- إتاحة ثورة تعليمية: فالتربية والتعليم وجهان لعملة واحدة، وبهما معًا يكون إيجاد العناصر البشرية المدربة والماهرة، وزيادة الطاقات الاقتصادية والاجتماعية. إن الإصلاحات الطفيفة في نظام التعليم لم تحقق الثمار المرجوة، ولابد من ثورة جذرية تتناول كافة جوانب التعليم من مفاهيم وأهداف ونظريات، وقيم ومناهج، وبرامج ووسائل ونشاطات ومؤسسات، وفلسفة تحتوي كل هذه العناصر. وأكد خبراء اليونسكو على أن إصلاح الأنظمة التعليمية في رأس قائمة التدابير الواجب اتخاذها للحد من استنزاف الأدمغة.
نموذج الصين الشعبية:
إن الثورة العلمية والتربوية والثقافية كانت وراء تحول الصين في وقت قصير إلى دولة كبرى تملك قنابل ذرية، فقد (وجَّه الزعيم ماوتسي تونج بعد انتصار الثورة الشيوعية في عام 1949 م نداءً وطنيًّا إلى العلماء والأخصائيين والطلبة، وخاصة الذين يدرسون في أمريكا يحثهم فيه على العودة إلى الوطن مصورًا لهم بزوغ فجر جديد في الصين الشعبية، ومقدمًا لهم شتى الإغراءات المالية والعلمية والنفسية؛ فلبى نداءه عدد كبير من العلماء والطلاب في حقل الذرة والصواريخ، وكان إنشاء البرامج النووية وتطويرها في الصين، وقد عاد إلى الصين مع نهاية عام 1952م ما يزيد عن 1500 طالب من أمريكا إلى الصين لخدمة وطنهم، وبلغ عدد العائدين في عام 1962 م ما لا يقل عن 5500 عالم ومهندس، معظمهم تدرب في اليابان وأوروبا الغربية وأمريكا، وتعتبر الأكاديمية الصينية للعلوم شبيهة بالأكاديمية السوفيتية للعلوم في موسكو، وهي قوة قيادية فعالة في معاهد ومؤسسات التعليم العالي، وفيها علماء بارزون.
وقد فجرت الصين عام 1964 م أول قنبلة ذرية لها، وأطلقت في عام 1966م أول صاروخ نووي، وأجرت في عام1967 م أول تجربة لقنبلة هيدروجينية، وأطلقت في عام 1970 م أول قمر صناعي إلى الفضاء.