الفساد (53) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (5-6) نظرة على التعليم الفني
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
و(احتلت كورسات السناتر) المركز الأول في قائمة البدائل التي يلجأ طلاب الجامعات لتحصيل أكبر قدرٍ مِن المواد العلمية، والحصول على أعلى الدرجات؛ وذلك على الرغم من التكلفة المادية المرتفع، وبينما تحاول الدولة مواجهة (بيزنس) السناتر ومطاردة إمبراطوريته، يرى الطلاب أنها توفِّر لهم ما فشلت فيه الجامعات من دراسة جدية، وتحصيل علمي أفضل) (المصدر السابق) .
وقد (أكَّد عدد كبير من أساتذة الجامعات أن سناتر الدروس الخصوصية والكيانات الوهمية التي تحمل صفة أماكن تعليمية كبيرة آفة تهدد مستقبل واستقرار العملية التعليمية بالجامعات، مطالبين بوجود حلول جذرية لها، سواء بالغلق النهائي ومنعها أو تقنينها، واقترحوا تطبيق نظام (الساعات المعتمدة)، خاصة في الكليات ذات الكثافة العالية مثل التجارة والآداب والحقوق لمحاربتها (المصدر السابق) .
وقد حدد قانون تنظيم الجامعات العديد من العقوبات ضد الأستاذ الجامعي الذي تثبت إدانته سواء كان من خلال التدريس أو المشاركة أو إنشاء أي كيان وهمي أو مركز للدروس الخصوصية، تنتهي بالفصل من الجامعة.
نظرة على البحث العلمي:
(من المعلوم أنه من بين مهمات الجامعات يمثِّل البحث العالمي الدائرة الرئيسية الثانية بعد دائرة التعليم، وتتلوها دائرة خدمة المجتمع)، (وفي بعض الدول المتقدمة تأتي وظيفة البحث العلمي في الدرجة الأولى وتسمى جامعات بحثية، إلى الدرجة التي تصبح فيها الدراسات العليا وإعداد الباحثين وإجراء البحوث تمثل 80 % من نشاطها وميزانيتها).
ونلحظ النمو المتزايد في جامعاتنا لحشود طلاب الدراسات العليا لدرجتي: الماجستير والدكتوراة، ولكن للأسف دون التهيئة اللازمة من مقومات إجراء البحوث، ومنذ سنواتٍ قليلةٍ بأنا نرى أن بعض الجامعات الخاصة تعلن تركيزها على الإعداد والقيام والبحوث، ومنها: جامعة النيل الأهلية، والجامعة اليابانية.
سلبيات على الطريق:
1- طغيان منح الغالبية العظمى من رسائل الماجستير والدكتوراة لدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وتبادلها مع الجامعات الأخرى انطلاقًا مِن مجاملات للطالب أو للمشرفين على رسالته من الزملاء والأساتذة.
والواقع العالمي في تنافسه الحاد يملي علينا أنه لا توسط ولا مجاملة في مجال تقدير المستويات العلمية البحثية، الذي ينتظر منه أن يقدِّم الجديد والمتجدد والمبدع، تأثيرًا في سياستنا ومعارفنا بمشكلات تطوير المنظومة التعليمية العربية.
ومن المفترض في البحث العلمي وفي القائمين على أنشطته أن تحكمهم أخلاقيات البحث ومهنته بقواعدها وممارستها، ومِن ثَمَّ تغدو المسألة الأخلاقية من بين أهم شروط العمل في هذا المجال.
2- ممارسة أنشطة البحث العلمي لا بد أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمطلب حرية التفكير والتعبير، بل إن جوهرها يقوم على هذا الأساس؛ وإلا انعدمت قيمته أصلًا.
3- ضرورة وجود مدارس ونظريات متعددة للبحث العلمي ينقد بعضها بعضًا كما تتكامل فيما بينها، فالبحث العلمي مغامرة لمعرفة جديدة توضح أخطاء في الماضي أو تقدم أسلوبًا جديدًا للعمل، وقد يتعرض للخطأ، فلا أحد مستثنى من الخطأ في نشاطه العلمي والمجتمعي، والمهم هو التعلم من الخطأ وتصحيحه أو تجنبه.
4- (هناك خلل واضح لدينا بين الطلب والعرض على نتائج البحوث الجادة، فكثيرًا ما يلجأ التنفيذيون إلى الاعتماد على خبراتهم أو على ضغوط سياسية لاتخاذ قرارات أو حل مشكلات دون طلب على البحوث التي قد يستلزمها هداية خيارات القرار، أي: أن القرار في هذه الحالة سلطوي فوقي لا علمي؛ لذلك لجأ الباحثون من ناحيتهم إلى الاعتماد على خبراتهم، أو تصوراتهم في اختراع مشكلات من عندياتهم لإجراء بحوثهم، وتتعرض بحوث الجامعات لدينا للعديد من الضغوط وبخاصة في مجالات العلوم الاجتماعية.
ومن هذا النوع: كثير من بحوث درجات الماجستير والدكتوراة التي لا تتشابك مع الواقع، أو لا علاقة لها بمجرياته ومشكلاته ومطالبه الحقيقية، وإنما هي افتراضات من تصور الباحث.
5- إن التغيرات الكبرى التي حدثت في الفكر التربوي كجزءٍ مِن الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية التي تضج متغيرات العولمة بتوجهاتها الحداثية وما بعد الحداثية تتطلب المراجعة لكثير من قضايا المنظومة التعليمية، سواء في وظيفة التعليم وأهدافه، أو تعليم الجميع من أطفال المجتمع وشبابه وتوفير تعليم متميز للجميع، وتمتد إلى دور المعلم والمدرسة، وفي النقلة من التعليم والتدريس إلى التركيز على التعلم ومصادره المتعددة.
ويمتد هذا إلى تطوير المناهج والتكامل فيما بينها، إلى قضايا تعليم اللغات الأجنبية مع الاهتمام باللغة العربية (القومية)؛ كل هذا وغيره مما يتطلبه تصحيح وضع التعليم ومخرجاته في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل يفرض الاهتمام بعمليات البحوث والاهتداء بنتائجها في مختلف المواقع الإستراتيجية للتطوير.
وكل هذه المسئوليات تقتضي إعدادًا لخرائط بحثية يشارك فيها كل مِن طرفي الطلب والعرض، إلى جانب قيادات العمل الإنمائي المختلفة، واعتبار المشروعات البحثية ذات أولوية رئيسية في التطوير التربوي، وإعطاؤه ما يستحق من تمويل وجزاء قومي وتقدير معنوي إعلامي للعاملين في مجاله تقديرًا لا يقل عن تقدير العاملين في الفنون ولاعبي كرة القدم.
6- لعل المطلع على جداول ومحاضر جلسات مجلس الجامعة أو الكلية أو القسم مثلًا سوف يجدها حاشدة بالقضايا الإدارية والتنظيمية (امتحانات قبول - توزيع الطلاب - الإعارات - ... )، وتكاد تخلو من مناقشة للمسائل العلمية إلا حين تتحول إلى مشكلات إدارية، ولا شك أن طغيان الهموم الإدارية ومع أهميتها أحيانًا قد يصيب مطالب التعليم الجامعي بالرتابة والجمود.