الفساد (55) الآثار السلبية للمدارس الأجنبية (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ويمتد التعليم المجاني إلى التعليم الجامعي وإن اخترقت بعض شعب كلياته عامل المصروفات إما لكون التعليم فيها باللغة الأجنبية أو لأن التعليم فيها أفضل نسبيًّا، بل أنشأت مراكز جامعية بمقررات متميزة بمصروفات أعلى.
أما التعليم في المدارس الخاصة والأجنبية فهو بمصروفات عالية لا يقدر عليها إلا الأغنياء، والنتيجة ارتباط جودة التعليم بدرجة مصروفاته، وعليه تتفاوت المصروفات في التعليم الخاص، لكنها تتضاعف بمعدلات باهظة في المدارس التي تعد طلابها للشهادات الأجنبية.
أما الجامعات الخاصة: فإن مصروفاتها باهظة، ومعظم كلياتها ومقرراتها باللغة الأجنبية، أما الجامعات الأجنبية فمصروفاتها فلكية، ومقرراتها تدرس بلغات دول المنشأ؛ خاصة الإنجليزية والفرنسية.
لقد انتعش التعليم الخاص منذ التحول السياسي في مصر إلى سياسة الاقتصاد الحر، والاستثمار بقوانين 1975م وما بعدها، ودخل القطاع الخاص المصري بثقله في إنشاء المدارس الخاصة العربية ومدارس اللغات الأجنبية الخاصة، وأخذت أعدادها تتزايد، ويتزايد عدد الطلاب فيها حتى بلغوا نحو 11% من مجموع طلاب التعليم الحكومي عام 2009 م - 2010 م المقيدين في رياض الأطفال، والتعليم الأساسي والثانوي.
ومن بين هذه المدارس الخاصة: مدارس اللغات التي فيها أقسام تعد طلابها للشهادات الأجنبية كالشهادة الإنجليزية (آي جي سي أس إي)، والتي بلغ عدد مدارسها حوالي 65 مدرسة، أو شهادة كمبردج، ومنها ما يعد لشهادة الثانوية العامة الأمريكية والتي بلغ عددها حوالي 80 مدرسة.
وللأسف، امتد هذا التعليم باللغة الأجنبية إلى كثيرٍ مِن مدارس الرياض في القطاع الخاص، وهذا بالطبع يقلل من القدرة على التعليم باللغة العربية فتبدو أمام أبنائنا وكأنها عاجزة عن التعليم في هذا العصر، كما يضعف وبشدة مستوى الطلاب في اللغة العربية، إلى جانب آثاره الاجتماعية والفكرية والثقافية على شبابنا.
هذا بخلاف المدارس الأجنبية التي تتولاها القنصليات الأجنبية التي تعدها لأبناء بعثاتها الدبلوماسية وجالياتها في مصر، والتي تستقبل أعدادًا من الطلاب المصريين في ضوء نفوذ أهلهم أو المصالح المشتركة بينهم وبين السفارات ممن يتحملون مصروفاتها الباهظة.
أما الجامعات الخاصة التي تحمل أسماء دولها، وبالتالي نعتبرها أجنبية على الرغم من أن رأسمالها -أو الجزء الأكبر منه- يتحمله أصحاب رأس المال المصري؛ إلا أنها تتبع دولها ومعظم هيئات التدريس فيها من الأجانب.
ومن هذه الجامعات: "الجامعة الأمريكية" وهي أقدمها، بل إنه لم يكن هناك في مصر جامعات خاصة أو أجنبية غيرها قبل عام 1996م.
ومنها كذلك: الجامعة الفرنسية، والبريطانية، والألمانية، والكندية، واليابانية، وفي الطريق الصينية، والإسبانية، والإيطالية، وجميعها يتم التدريس فيها حاليًا باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وقد تظهر فيها شعب تدرس بالألمانية أو اليابانية.
وقد كان عدد الملتحقين بالجامعات الخاصة المصرية عند إنشاءها عام 1998 م حوالي 1911 طالبًا وطالبة، ومع الزيادة في أعدادها بلغت عشر جامعات مصرية خاصة، ويزداد عدد طلابها عن 50 ألف طالب وطالبة أي: بزيادة بلغت أكثر من عشرين ضعفًا.
والخلاصة: أنه قد أصبح لدينا منظومتان من التعليم الخاص، ومن التعليم الأجنبي من رياض الأطفال والتعليم الأساسي والثانوي حتى الجامعات، وهي جميعها تتقاضى مصروفات باهظة بالنسبة لمتوسط الدخل السنوي للمواطن المصري.
يقول د. حامد عمار تعليقًا على هذا التعدد وأسبابه: (التربية عملية سياسية كما أن السياسة عملية تربوية)، (إنه مجتمع ظل يواجه التكيف مع أعاصير العولمة الرأسمالية التي تحتضن آليات الهيمنة العسكرية والتكنولوجية، وقوتها المعرفية في اقتصادياتها ومنتجاتها وشركاتها المتعددة الجنسية والعالمية، واتسعت مع حرية التجارة الداخلية والخارجية وإلغاء كافة القيود على الاستثمارات الوطنية والأجنبية وحرية الأجانب في التملك. وصاحب ذلك تقليص دور الدولة في مسئولياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وترك المسئولية للأفراد والجماعات، ولا يحظى الصالح العام إلا بقدرٍ قليلٍ مِن رعاية الدولة؛ ضمانًا لبقاء نظام الحكم.
لقد أصيب النسيج الاجتماعي بالشروخ والتفسخ، وزادت الهوة بين الفقراء والأغنياء، ومهد التقدم التكنولوجي لاستخدام قوة السلاح للهيمنة والابتزاز، ولشيوع ظاهرة العنف، وتوهين التماسك العائلي والاجتماعي، وإلى تآكل مفاهيم المواطنة والولاء المكاني للوطن في السعي نحو الهجرة، وما تتضمنه ثقافته من قيم التضامن في السراء والضراء، ولم يكن أمام لعبة السياسة العالمية إلا أن يجد نظام الحكم نفسه بوعي ومع الضغوط منساقًا في هذه اللعبة ضمانًا للمحافظة على سلطانه، فالعولمة ليست نهاية التاريخ وليست قدرًا مقدورًا، وهناك قوى عالمية تدعو إلى البديل، ومع ذلك سعى مجتمعنا إلى الاندماج في تيارات العولمة المختلفة واحتضانها بحرفية) (انظر: المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين في القرن الحادي والعشرين، د. حامد عمار - د. صفاء أحمد ط. مكتبة الأسرة 2015 م - الهيئة المصرية العامة للكتاب - ص 171 - 172 بتصرفٍ. وللاستزادة: راجع نفس المصدر: ص 103 - 106، ص 165 - 172) .
جذور المدارس الأجنبية في مصر:
خلال ثلاثة عشر قرنًا هجريًّا لم تعرف مصر مدارس للتعليم الأجنبي فيها، ولم يكن يجرؤ أصحاب الديانات والنحل من اليهود أو النصارى أو غيرهم على بناء أماكن للتعليم الأجنبي لأبناء المسلمين، ولكن مع ضعف الدولة العثمانية وانتعاش الروح الأوروبية الاستعمارية، وظهور التبشير (التنصير) مرتبطًا باستعمار أقطار العالم الإسلامي، وحصول الدول الأوروبية الاستعمارية على الكثير من الامتيازات الأجنبية في تركيا والعديد من أقطار العالم الإسلامي التابعة لها؛ ظهرت المدارس الأجنبية، بلا فرقٍ بين التبشيرية منها وغير التبشيرية، وإن كان أكثرها في تلك الفترة كان تبشيريًّا؛ إذ رأى المبشِّرون في تلك المدارس الأسلوب الأنجع والأقوى للوصول إلى الغزو الفكري والعقائدي والثقافي للمسلمين، وذلك بعد فشل الحملات الصليبية المتتالية في كسر المسلمين وهدم الإسلام عبر قرون من الصراع العسكري.