الفساد (56) الآثار السلبية للمدارس الأجنبية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
فمع بدايات الاحتلال الإنجليزي لمصر عمد اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إلى تربية جيل من أبناء الوجهاء من المصريين لينشأوا في محيط إنجليزي يدينون له بالولاء ويكونون من أدوات المستعمر في تسيير أمور البلاد، وتعد كلية فيكتوريا واحدة من أبرز هذه الصور.
يقول اللورد لويد عند افتتاح الكلية عام 1936م: (كل هؤلاء لن يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ).
ويعد الملك حسين -ملك الأردن الراحل- من أشهر خريجي كلية فيكتوريا، وقد عرف طوال حكمه بتبعيته للغرب، ومثله العديد من خريجي الجامعة الأمريكية الذين تبوأوا مركز مرموقة ومناصب رفيعة في مختلف شئون الحياة في بلادنا.
يقول أبو الحسن الندوي: (إن القادة وولاة الحكم في البلاد المسلم كلهم إنتاج نظام التعليم الغربي ووليد حضارته. أما الذين لن يتح لهم أن يتثقفوا في بلد أوروبي وينشأوا في بيئته؛ فإنهم تعلموا في مراكز هذا التعليم في بلادهم، وتثقفوا بها تحت إشراف ممثليه الكبار ورقابتهم. إن بعضهم تخرجوا في الكليات الحربية التي يعنى فيها بالتعليم والتربية الغربية عناية فائقة؛ وذلك هو السر في أن العالم الإسلامي اليوم يتأرجح بين عقليتين وفلسفتين، ووجهتين مختلفتين تتصارعان دائمًا) (المدارس العالمية نقلًا عن: الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، ص 182) .
2- مع الاحتلال الأجنبي سارع الغرب إلى وضع مناهج للتعليم لخدمة أهدافه القريبة والبعيدة، ومن أجل ذلك جاء (دنلوب) المتخرج من كلية اللاهوت البريطانية ليرسم سياسة التعليم في مصر، حيث عينه اللورد كرومر مستشارًا لوزارة المعارف المصرية، وجعل في يده السلطة الفعلية فيها ليضع سياسة تعليمية تسير وفق ما يريده الغرب، فوضع مناهج كفيلة بقطع صلة الأجيال المسلمة بإسلامها، حيث أهمل تدريس الدين الإسلامي إلا اليسير منه، وشوه تدريس التاريخ الإسلامي، وأخفيت بطولاته ونهضته وحضارته، في الوقت الذي مجد فيه تاريخ أوروبا والغرب، وصور الغرب على أنه العملاق الذي لا يقهر! وصار التعليم من وقتها في المدارس الحكومية (الوطنية) لعامة أبناء على وفق ما أراده هذا القس ورجل التبشير، حيث نفذ ما أراد، وسار على نهجه مَن جاءوا بعد مِن تلاميذه والمخدوعين فيهم، وما زالت آثار هذه السياسة التعليمية باقية في التعليم المصري ثم العربي إلى أيامنا تلك.
ومِن أبرز ملامحها -كما هو مشاهد-:
أ- ضعف الاهتمام بالتعليم الديني:
حيث تعد مادة التربية الدينية الإسلامية من المواد الدراسية الثانوية غير الأساسية، مما جعلها في الواقع وفي نظر الطلاب غبر ذات بال؛ مما ترتب عليه الاستخفاف بها والتهاون في ممارسة العبادات والالتزام بالسلوك الديني، وبالتالي قلة الوازع الديني في نفوس الطلاب وابتعادهم عن الإسلام عملًا وعلمًا، وظهرت بين الشباب مع هذه الأمية الدينية تيارات فكرية منحرفة بعد ذلك.
ب- تشويه تدريس التاريخ الإسلامي:
وذلك بتقليص مناهجه وإغفال بطولاته وأمجاده، والإساءة إلى رموزه ورجاله، حتى صارت الصفة الغالبة على التلاميذ هي جهلهم بتاريخهم وأمجاده، بل والاستخفاف به.
ج- إحياء النعرات الإقليمية الجاهلية:
عن طريق التركيز عليها في مناهج الدراسة، وعرضها بصورة براقة تغري بالاعتزاز بها أكثر من التاريخ الإسلامي الذي هو أعظم منها بكثير كما في تاريخ الحضارة الفرعونية.
د- عرض تاريخ أوروبا بصورةٍ لامعةٍ جذابةٍ مع الإشادة برموزه ورجاله، وتنصيبهم كمُثُل عليا أمام المتعلمين، مع عرض وتدريس مذاهب وفلسفة الحضارة الغربية المادية.
هـ- الاهتمام بتدريس اللغات الأجنبية: حيث ربطت الشهادات والدرجات العليا والوظائف الكبرى بإتقان هذه اللغات. وفي المقابل: إهمال اللغة العربية وتشجيع اللغة العامية لتكون اللغة السائدة المستعملة في الأدب والشعر والحياة العامة.
و- تقليص دور التعليم الأزهري: إذ صارت الأولوية عند الكثيرين للتعليم العلماني لما يتمتع به خريجوه من رعاية واهتمام والحصول على الوظائف والمناصب العليا في البلاد، وذلك على حساب العناية بأبناء الأزهر وخريجيه (راجع: مذاهب فكرية في الميزان، ص 56-60) .
آثار تلك المدارس الأجنبية على ازدواجية التعليم:
(إذا تبنت أمة نظام تعليم وافدٍ في ظل عقيدة غير عقيدتها، وأخلاق غير أخلاقها؛ فإنه ينتج أهدافه منعكسة عليها في الاعتقاد والأخلاق والسياسة والاجتماع، لا تنطوي عليه نفوس ناشئتها من أفكار وانحرافات مغايرة لما عليه إيمانها وعقيدتها وسلوكها، مفضيًا ذلك إلى زعزعة العقيدة ثم الردة الفكرية فالعقدية، وبه تئول حياة الأمة إلى تبددٍ وانقسامٍ، وتصدعٍ وصراعٍ، وتعيش في ظله بين البناء والهدم، والتصديق والتكذيب، والاحترام والازدراء، والتشقق في تزايدٍ وامتدادٍ، والصراع في تصاعدٍ واتساعٍ! ولا تسأل حينئذٍ عن فشو الفوضى، واضطراب الأحوال) (المدارس العالمية، ص 49 -50) .
آثار تلك المدارس على اللغة العربية:
فالتعليم باللغة الأجنبية، يعني تغليب هذه اللغة على اللغة العربية، فكل لغة تحمل فكر الناطقين بها. (وإذا حيل بين المسلم ولغته -لغة القرآن- تم العزل له بطبيعة الحال عن إسلامه وأمجاده وحضارته)، (ويتكون لدى الطالب عقدة الإحساس العميق بقصور لغته عن تدريس العلوم الحديثة، ثم قطع صلة هذه العلوم بالإسلام ولغته العربية)، (ثم أنفة الشباب المسلم من لغتهم وآدابها، حتى لا يعلموا منها إلا العامي منها، وهذا سبب فعال في تدهور اللغة العربية وحجبها، وآخر المطاف: صرف الجيل عن تراث الأمة الإسلامية المكتوب بلسانها العربي، وفي مقدمة ذلك الوحيان: الكتاب والسنة).
آثار تلك المدارس على التربية الإسلامية: