شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (57) التعليم الأساسي وقبله هو البداية (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

يعد الاكتشاف المبكر للأطفال المعرضين لصعوبات التعلم قبل الالتحاق بالمدرسة -أي في مرحلة الحضانة أو الروضة- أفضل مدخل وقائي لمشكلات التعليم في المدرسة، فصعوبة التهجي والقراءة والتي لا تظهر إلا بعد الالتحاق بالمدرسة الابتدائية، لكن لها مؤشراتها في سن الرابعة من العمر، أي: بداية مرحلة الروضة، وهذه المؤشرات بمثابة إعلان عن حاجة الطفل للمساعدة حتى لا تتفاقم الصعوبة لديه.

ومن هذه المؤشرات: كونه يجد صعوبة في استعادة أسماء شائعة (مأكولات، لعب، أدوات، وما شابه) يسهل التعرف عليها وتحديدها، وكون الفاصل الزمني طويلًا نسبيًّا بين سؤال اعتيادي وجه إليه وإجابته عن السؤال، ومعنى وجود هذه المؤشرات أن الطفل يبدو مختلفًا عن أقرانه، وأنه عرضة أن يعاني صعوبة تعلم عندما يلتحق بالمدرسة، ولتجنب هذا ينبغي أن يكون تعليمه خلال الروضة بإستراتيجية مختلفة عن غيره.

وللحضانات دور كبير بالتعاون مع الأسرة وأولياء الأمور في اكتشاف ومعالجة الكثير من مشاكل الطفولة المبكرة كاكتشاف ومعالجة عيوب النطق عند بعض الأطفال، ومشاكل التأخر في الكلام، ونقص القدرة على التحاور، وكذلك الاكتشاف المبكر لبعض الصور من العاهات والأمراض العضوية والنفسية والعصبية؛ هذا إلى جانب دورها في تأهيل أطفال الحضانة للتفاعل الاجتماعي من خلال المشاركة في مجموعات مع الآخرين في اللعب، ومن خلال الأنشطة الترفيهية؛ بالإضافة إلى اكتشاف المهارات والمواهب الفردية عند هؤلاء الأطفال، وقبل ذلك وبعده فلهذه الحضانات دورها في بداية إعداد الطفل لمرحلة التعليم الأساسي وتهيئته لها.

وينص القانون على ضرورة توفير حضانات تابعة لقانون العمل في حالة وجود 50 سيدة عاملة في أحد المصانع أو 50 سيدة في مجموعة من المصانع في نفس الحيز الجغرافي، ولكن هذا القانون غير مطبق وغير مفعل في كثيرٍ مِن الأماكن، وهو ما يتسبب في قبول السيدات العاملات لالتحاق أطفالهن الصغار في أي حضانات قريبة ولو كانت غير مرخصة، ولو كانت تفتقد المعايير والشروط الواجب مراعاتها في الحضانات المرخصة، وعلاج ذلك بتطبيق القانون من خلال لجان حماية الطفل الفرعية الموجودة في كل حي -برئاسة رئيس الحي وعضوية الإدارات المعنية- وتفعيل دور هذه اللجان في رصد الحضانات المخالفة وأماكنها وسرعة تحسين وتوفيق أوضاعها أو إغلاقها.

الآثار السيئة للحضانات غير المرخصة:

تنتشر في أنحاء مصر خاصة في الأحياء الشعبية والقرى الكثير من الحضانات غير المرخصة وغالبها محروم من المعايير والشروط الواجب توافرها في أي حضانة للقيام بالدور المنوط بها؛ مما يتسبب في آثار سلبية صحية واجتماعية ونفسية كثيرة، فهناك حضانات تقام في شقق تفتقد الإضاءة الجيدة والتهوية الصحية والمساحة الكافية لكل طفل للجلوس المريح أو اللهو واللعب بارتياح، وغالبها يفتقد جهود التربويين في إعداد مناهج وطرق التعليم؛ إذ الغالب فيها أنها تجتذب للعمل فيها حاملات المؤهلات المتوسطة بدون خبرة أو مَن لهن خبرة ضعيفة في هذا المجال، حتى أصبح العمل في هذه الحضانات مهنة مَن لا مهنة لها، خاصة مع ضعف الأجور والمرتبات الشهرية والتي لا تتعدى بضعة مئات قليلة من الجنيهات، وفي المقابل تترك لهن الساحة للعمل في ما يشبه الجزر المنعزلة، دون دراية كافية للتعامل مع هذا السن الحرج للأطفال، والذي لا يكفي لتربيته وتعليمه وتقويمه سلوكيًّا واجتماعيًّا مجرد الحصول فقط على أي مؤهل دراسي، وعليه فتعاني تلك الحضانات مِن تدني مستوى الخدمات التعليمية والتربوية والأنشطة الاجتماعية فيها.

كما تفتقد الكثير من هذه الحضانات الرعاية الصحية للأطفال؛ لعدم تواجد فعلي ومنتظم لطبيب فيها، أي عدم وجود إشراف صحي جاد، إلى جانب افتقاد النظافة العامة والشخصية؛ مما يتسبب مع تكدس الأطفال في انتشار وانتقال الأمراض الجلدية والأمراض العضوية بين أطفال الحضانة، والتي لا يكتشفها أولياء الأمور أو العاملين في الحضانة إلا في وقت متأخر.

ومنها حضانات تفتقد القدرة على تنمية قدرات ومهارات الأطفال، بل يصل الأمر في بعضها إلى معاملة الأطفال معاملة سيئة غير آدمية في غياب الإشراف والرقابة من الدولة متمثلة في وزارة التضامن الاجتماعي، وغياب المتابعة اليومية من أولياء الأمور، فلا يتمكن أحد مِن رصد صور الممارسات السيئة والعنيفة من العاملات في الحضانة ومنعها ومحاسبة القائمات بها.

ومحصلة هذا التفاوت في النواحي التربوية والتعليمية والأنشطة الاجتماعية بين الحضانات الجادة المرخصة والحضانات غير المرخصة، والتي تفتقر غالبًا لمعايير وشروط الجودة، ولكنها تلقى إقبالًا خاصة في الأماكن الشعبية والمدن الصغيرة والقرى؛ إما لعدم وجود حضانات قريبة غيرها وحاجة الأمهات العاملات إليها، وإما لقلة مصروفاتها، ونتيجة لذلك نجد التفاوت الكبير بين مستوى مئات الآلاف من الأطفال الذين يتخرجون من هذه الحضانات المتفاوتة، مما يؤدي إلى حدوث مشكلات عديدة نتيجة هذا التفاوت في تلقي العلوم المتنوعة في مراحل التعليم الأساسية بعد ذلك بين أفراد الجيل الواحد، وهذا الأمر يمثِّل داءً لا بد من التصدي له؛ لئلا يصبح ظاهرة سلبية تنمو وتتفاقم مع الأيام أكثر من ذلك، وهنا يكمن دور الدولة -خاصة وزارة التضامن الاجتماعي- في السيطرة على هذه الحضانات ورصدها، ومتابعة ورقابة المرخص منها وتطويرها، وتوفيق أوضاع غير المرخص منها وتقنينها أو إغلاقها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية