الفساد (58) التعليم الأساسي وقبله هو البداية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
من أخطر السلبيات في العملية التعليمية في بلادنا: الإقبال المتزايد على التعليم باللغات الأجنبية في المدارس والجامعات الخاصة، وينبغي أن نفرِّق بين أن تكون اللغة الأجنبية هي لغة التعليم على حساب اللغة العربية -اللغة الأم- وبين تعلم لغات أجنبية ضمن المواد الدراسية، فالنهج الأول مرفوض، والأمر الثاني مقبول، طالما أنه لا يطغى على تعلم اللغة العربية. وقد تناول الكاتب د. شكري عياد تلك القضية في كتابه: (مدارس بلا تعليم وتعليم بلا مدارس) حيث يصف الكاتب حال اللغة العربية بأنه (ليس على ما يرام) سواء في التعليم المدرسي أو على المستوى المجتمعي، ويشخص هذه الظاهرة العامة بأنها (تحلل لغوي)، وأنه لابد أن يؤدي إلى تحلل قومي إذا ما استفحل الأمر في سياق ثقافة العولمة وما يسود من ولع بتعليم اللغات الأجنبية كلغة للتدريس في مدارسنا، وتشمل هذه الحال قصور دور المدرسة في مناهجها وطرائق تدريسها، وإلى عدم إتقان الأجيال الناشئة من الشباب لمقومات ألسنتهم وأقلامهم، بل يتعدى ذلك إلى معظم الكبار ممن لا يحسن استعمال لغتهم.
ويضع هذا التحلل اللغوي في سياق ما يجري في المجتمع من تغيرات العولمة والتي نجم عنها التكييف الهيكلي للاقتصاد المصري بما يمكنه من الاندماج في سوق الاقتصاد العالمي. ويعتبر تملك مهارات اللغة الأجنبية أداة مهمة في التعامل مع مجريات تلك الأسواق وما يهيمن عليها من المؤسسات الأجنبية والمتعددة الجنسية، والبنوك الدولية، وعمليات الاستثمار والتجارة استيرادًا وتصديرًا.
واستتبع ذلك ضرورة مزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية في التعامل مع الخارج وفي الداخل لخدمة الخارج أيضًا، ومع توجه التعليم إلى قبلة الخارج أخذت تك اللغات تحتل منزلة متميزة لدخول سوق العمل في قطاعاته الأجنبية ذات الدخل المرتفع لمن يتطلع إلى مناصب مرموقة وأجور مجزية من أجيال اليوم وغدًا، ومِن ثَمَّ انتشرت مدارس اللغات في التعليم العام، كما بدأت الجامعات الخاص تشق طريقها بمقررات تدرس باللغات الأجنبية، ومع تعليم كثير من المقررات بجامعاتنا في كلية الطب والهندسة والعلوم والصيدلة بلغة أجنبية زحف الطلب الضاغط لهذه اللغات على مقررات في كليات أخرى لم تكن تصطنعها من قبل من بينها كليات التجارة والحقوق والتربية، ومع مغريات السوق وعالم (البيزنس) تنفتح أبواب العمل لخريجي الجامعة الأمريكية)، (وهكذا يتسع الطلب على مَن يتقنون لغات أجنبية ليتنامى معه العرض مِن مؤسسات اللغات في مختلف مراحل التعلم من رياض الأطفال إلى الجامعات، وتنضاف مطالب السوق حاليًا تبريرًا لهذه الموجة مع ما ساد مِن الزعم بأن اللغة العربية لا توفِّر للطلاب القدرة على متابعة الحركة العلمية في العالم المتقدم تنضاف لترسخ التعليم باللغات الأجنبية كضرورة مجتمعية، ولا يتسع المجال هنا لمناقشة الفرق بين تعليم اللغة الأجنبية كمادة من مواد الدراسة من ناحية، وبين جعلها لغة التعليم لمناهج الدراسة من الناحية الأخرى.
ونحن مع الطرف الأول وإتقانه للغة أجنبية إلى أقصى درجة مع إدراكنا لما يحدثه الطرف الثاني من صعوبات تعليمية في فهم مضامين المعرفة العلمية لدى الطلاب حين يجهدون في الفهم المزدوج لكلٍّ مِن العلم بلغته واللغة الأجنبية) (راجع: مواجهة العولمة في التعليم والثقافة، د. حامد عمار - الهيئة العامة المصرية للكتاب - مكتبة الأسرة 2006م، ص: 210 - 211) .
التمكين للغة العربية من الصغر:
(وفي ضوء تلك الأهمية البالغة لدور اللغة في اكتساب الثقافة القومية وإنتاجها، وفي ضرورة معالجة ما اعتراها من تحلل وتشوه يرى المؤلف -د. شكري عياد-: أن إيقاف هذا التردي وتنمية المهارات اللغوية يتطلب المعالجة على ثلاث جبهات من حياة المتعلم، وهي: جبهة المرحلة السابقة لدخول المدرسة وفي رحاب الأسرة، فمرحلة التعليم المدرسي، ثم جبهة المجتمع كله بمؤسساته الثقافية والإعلامية والعلمية.
وفي نطاق الأسرة يلحظ المؤلف اهتمام الأسرة ومساعدتها للطفل في تعلم اللغة المحكية مِن خلال مواقف التعبير عن احتياجاته، وتفاعله مع أفراد الأسرة منذ السنة الثانية أو الثالثة، وتقوم الأسرة بتصحيح أخطائه عند نطق الحروف وعندما يبدأ في تركيب الجمل؛ بيد أن ذلك الاهتمام والتصحيح يقل أو يتوقف عندما يتقن الطفل لغة الأم المحكية، ولا تظهر محاولات للترقي بتلك اللغة إلى مستوى اللغة المكتوبة، أي: لغة الثقافة، وبعبارة أخرى: يضعف النمو اللغوي للطفل، وتبدأ الفجوة بين لغة الحياة الجارية ولغة الثقافة.
وتؤكد الأبحاث العلمية التجريبية الارتباط بين اقتران النمو العقلي والفكري للطفل من ناحية، واطراد استثارته للنمو اللغوي من الناحية الأخرى؛ ولهذا يتضح الدور الفعال للأسرة في استدامة التنمية لمدركاته اللغوية والعقلية في مرحلة الطفولة المبكرة.
وفي جبهة الأسرة كما في الجبهتين الأخريين تنمو المهارات اللغوية من خلال ما يسميه المؤلف بالنشاط اللغو العملي الذي يتألف من جانبين: أحدهما: استقبال يتمثل في السماع والقراءة، والآخر: إرسال يتمثل في التعبير والكتابة.
وفي هذه المرحلة الباكرة من حياة الطفل يتغذى السماع عن طريق القصص التي تحكي للطفل بطريقة منتظمة سواء أكانت من القصص التقليدية الشعبية المألوفة أم عن طريق قراءة الوالدين له من كتب قصص الأطفال المصورة، ومن المفيد أن يتخلل عملية القصص حديث بين الطفل، ومَن يحكي أو يقرأ له، وأن يتم هذا اللون من النشاط بما يشعر الطفل باهتمام المرسل دون إيحاء منه بشعور الملل أو الضجر.
وفي كثيرٍ مِن البلاد الأجنبية توجد لمرحلة الطفولة المبكرة كتب مصنوعة من القماش تقدم للطفل ويشجع على تقلبيها وعلى التوهم بأنه يقرأ منها ويحرص الكبار على الاستماع إليه والحوار معه حول ما يقوله عنها، وبذلك تغرس بذور الصداقة الحميمة بين الطفل والكتاب، ومع التعبير عما يقرأ أو يحكي يتحقق الجانب الآخر من نمو المهارات اللغوية في الكتابة عن طريق تقديم أوراق وأقلام ملونة ليمارس الطفل (الشخبطة) فيها بداية، ثم محاولة الرسم حين يتقدم به العمر منذ الثالثة أو الرابعة من عمره.