الفساد (64) التربية البدنية والتربية الرياضية "ما ينبغي وما لا يجوز" (2-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
إنـي رأيـت وقـوف الـماء يـفـسـده إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطب
(وفي الحركة وتغيير المكان دفع للسهو أو النوم، جاء في السُّنة النبوية عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
( فَلْيَتَحَوَّلْ ): أي فلينتقل إلى محل آخر، والحكمة في الأمر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس، وزكاة البدن الحركة، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنَ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، والمراد به كل عظم ومفصل يعتمد عليه في الحركة، ويقع به القبض والبسط.
(وجسم الإنسان مكون من مفاصل، وكل مفصل له من التدريبات والأعمال ما يجعله قويًّا مرنًا، وتتحقق هذه القوة، وتظهر هذه المرونة بأداء ما كلف به من أعمال، وكل مفصل من هذه المفاصل عليه صدقه يؤديها زكاة عن صحته، وتقوم صلاة الضحى مقام الصدقات الواجبة على كل مفصل من بني آدم إذا أصبح آمنًا في سربه، معافى في جسده) (المصدر السابق، ص 86، 105) .
(وكذلك الأمر بالنسبة لعبادات الإسلام وشرائعه التي تقوم على الحركة والسعي من الصلوات اليومية، والحج والسعي في طلب الرزق ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ ) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ( إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ) (رواه مسلم) .
فإذا أضفنا إلى ذلك: المشي في رواح الإنسان للمسجد لأداء الصلاة في مواقيتها، فإننا بذلك نضمن حدًّا أدنى للياقة العضلية للإنسان تكفل قدرًا مناسبًا من الصفات، والقدرات البدنية: كالمرونة والمطاطية العضلية، والتوافق العضلي العصبي المتمثل في أداء أركان الصلاة بشكل جماعي موقوت ومتناغم ومنضبط، فالصلاة التي فرضها الله -تعالى- على المسلمين، والسنن التي سنها لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما فيهما مِن قيام وقعود، وركوع وسجود، وتورك وافتراش، واطمئنان؛ فإنها تحفظ الجسم من الأمراض والترهلات.
ثم إن المصلي مأمور أن يسجد على سبعة أعضاء كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أُمِرَ النَّبِيُّ -صلّى الله عليه وسلم- أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ" (رواه البخاري) ، وهي: "الجبهة واليدين والركبتين والرجلين"، وهذه الحركات في مجملها من شأنها أن تعمل على الحفاظ على النغمة العضلية وتنشيطها، والنغمة العضلية هي الانقباضات العضلية في حدها الأدنى للعضلات الهيكلية الكبرى، والتي تعمل في المحافظة على القوام المنتصب للإنسان بشكل متوازن، وأي ضعف في أحد جوانب أو أسطح الجسم يعرضه للانحراف والتشوه القوامي الذي يفضي بالتالي إلى قصور بعض الوظائف الحيوية للجسم) (المصدر السابق، ص 86 - 87) .
(وهذه الأرض قد جعلها الله -تعالى- سهلة ميسورة لنستقر عليها، ذلولة منقادة لكي نمشي في أطرافها ونواحيها، وآكامها وجبالها، وفي طرقها وفجاجها، وفي هذا إشارة إلى التمكن من الزرع والغرس وشق العيون والأنهار، وحفر الآبار، والبناء عليها وتعميرها، قال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك:15) ، أي: فسافروا حيث شئتم مِن أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا؛ إلا أن ييسره الله لكم.
وقد جاء الأمر بالسعي والمشي حتى في يوم الجمعة: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الجمعة:9-10) ، وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين) (المصدر السابق، ص 88) .
رياضة المشي الملاذ الأخير:
(ينصح د. وائل النجار أستاذ أمراض القلب بطب القاهرة: بأنه كلما كانت الرياضة في سن مبكرة، جنى الإنسان فوائدها مبكرًا، فالمعروف أن الإنسان يهمل الرياضة عندما يتأهب لدخول سوق العمل ابتداءً من 24 عاما، وتتراكم الأثقال ويدخل في دوائر المسئولية من زواج وأبناء، وتهرب الرياضة في هذا العمر، وتتراكم المشاكل الصحية، وتظهر كل عوامل الخطر، مثل: التدخين، الكوليسترول، السمنة، السكر، ارتفاع ضغط الدم، ويا حبذا لو كان هناك تاريخ مرضي في الأسرة بأمراض القلب، والملاذ الوحيد هو: اللجوء إلى الرياضة المنتظمة، مثل: المشي) (راجع: "المشي: رياضة العمر الجميل"، وجدي رياض - كتاب اليوم الطبي - العدد 252 عام 2004 م، 86) .
وفي كتابه: (أيها الإنسان تحرك) يقول د. هانس فيلهيلم مولر فولفرت، وهو أشهر طبيب رياضة في ألمانيا، وكان الطبيب الخاص لفريق باير ميونخ الأماني لكرة القدم: (إنه لم يفقد الأمل في تحفيز الناس على الحركة والخروج من استسلامهم للكسل والتخاذل عن الحركة في مجتمعه... ويشير في هذا الصدد إلى أن نحو 60% من البالغين يتحركون بقدرٍ أقل مِن المطلوب، ويقول: إن شخصًا مِن بين كل 4 أشخاص غير نشط بالمرة، ويترتب على ذلك زيادة الوزن، ومشاكل وأوضاع جلوس ووقوف غير سليمة، وزيادة مخاطر الإصابة بالجلطة والتعب المزمن، واضطرابات النوم وارتفاع ضغط الدم.