الفساد (70) الأوضاع المتردية للأندية الرياضية (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وهذه قصة طريفة وقعت في فترة زمنية واحدة حيث امتنع لاعب الكاميرون (صمويل إتو) وزملاؤه المحترفون معه في أوروبا عن اللعب مع منتخب بلادهم قبل حصولهم على مستحقات مالية اشترطوها، وهذا يعد كمثالٍ صارخٍ يعبِّر عن انتماء اللاعب المحترف لنفسه قبل ناديه أو منتخب بلاده.
وفي نفس الفترة الزمنية وقَّع لاعب نادي الاتحاد السكندري محمد ناجي المعروف باسم (جدو) على عقود لثلاثة أندية في فترات متقاربة؛ إذ كان يلعب ضمن لاعبي فريق الاتحاد وله معه عقد، ولتألقه ضمه المدير الفني لمنتخب مصر إلى لاعبي المنتخب المصري، و سرعان ما تم إغراؤه لتوقيع عقدٍ جديدٍ مع نادي الزمالك قبل بطولة الأمم الإفريقية، وبعد تألقه الشديد مع منتخب مصر في البطولة كهدافٍ متميزٍ تم إغراؤه بعد البطولة لتوقيع عقدٍ جديدٍ، ولكن مع النادي الأهلي، وبانكشاف الأمر -وكان لا بد أن ينكشف- تحول الموضوع إلى أزمةٍ كرويةٍ شغلت الجماهير لفترة، وبدلًا من حسم القضية لمنع تكرارها، استقر اللاعب بعد شدٍّ وجذبٍ في النادي الأهلي، وبعد عدة سنوات بعد أن خفت تألقه تركه النادي الأهلي لينتقل من نادٍ جديدٍ إلى آخر. ففي ظل هذا الاحتراف الفاشل، أصبح للاعب المتميز وضعه الذي يتحكم به في الأحوال داخل ناديه وخارجه كما أن الأندية الكبيرة تتحكم في أحوال اتحاد الكرة!
التستر على عقود اللاعبين:
تتعمد إدارات الأندية تسجيل عقود اللاعبين المحترفين والمدربين بأقل بكثيرٍ مما تقاضوه بالفعل، ترضية للاعبين وإخفاء لحقيقة تعاقدهم عن زملائهم، وللتهرب من دفع الضرائب على المبالغ الفعلية التي أخذوها، فلاعب شهير تقاضي 40 مليون جنيه وكتب في عقده أنه تقاضى 9 مليون جنيه! هذا بخلاف ما يُؤخذ مِن رجال الأعمال أو بعض شيوخ دول الخليج مقابل الموافقة على الانتقال من نادٍ إلى آخر، ولا يعلن عنه، ولا يسجَّل. (راجع في ذلك جريدة (فيتو) عدد 15 يناير 2019م مقال: (زغلول صيام يفتح الملف الشائك: إدارات الأندية توفر غطاءً شرعيًّا لتهرب لاعبيها من دفع الضرائب)، ص 10).
التعصب للأندية:
كتب الصحفي إبراهيم حجازي في مقال بعنوان: (فضوها سيرة إلى أن نعرف (يعني إيه) رياضة!) يقول: (زمان وقت كان الانتماء هو الأساس، سواء انتماء اللاعب أو انتماء الجماهير، الآن في زمن الاحتراف أصبح انتماء اللاعب للجنيه ولمن يدفع أكثر! زمان وقت كان انتماء الجماهير قائمًا وموجودًا كانت جماهير أي نادٍ هي الحرس الحديدي للتقاليد والأخلاق والمبادئ! الجماهير هي التي يعمل لها اللاعب ألف حساب فيما لو فكر أن يلعب بذيله ويريد أن يتمتع بنجوميته وشهرته، ويسهر ويشرب ويتمتع، ويسلك الطريق الآخر الذي مَن يدخله مفقود والخارج منه منتهي الصلاحية! وقتها كانت الجماهير في المباريات عينها على مَن يخرج عن النظام والالتزام، ومع لعبة خطأ تزوم عليه، رسالة منها للاعب أنها لن تقبل سلوكياتك الخاطئة، وليس أمامك إلا أن تعود لصوابك داخل وخارج الملعب.
في عصر التعصب تحولت الكرة كرياضة وتنافس إلى كراهية وبغض وصراع، والحرس الذي كان حديديًّا للحفاظ على القيم والمبادئ، وسلطة رقابة على اللاعبين؛ أصبح هو القوة الأساسية للتعصب ، والتعصب بطبيعته انحياز أعمى على طول الخط لناديه ولاعبيه، ظالمين ومظلومين! هو على طول الخط لا يرى عيوبًا ولا يرى أخطاءً، وهو متعصب للاعبيه حتى وإن أخطأوا في حق أنفسهم وحق ناديهم! الكرة المصرية باجتياح التعصب صفوف جماهيرها فقدت أكبر سلطة رقابية يعمل لها أي لاعب كرة ألف حساب! مَن لا يصدقني فليلقِ نظرة على التواصل الاجتماعي، وسوف يجد آراء هي عين التعصب! آراء تدافع عن أسوأ سقطة أخلاقية للاعب أمام عشرات الآلاف، وكاميرات التلفزيون والصحافة! كيف نتوقع أن ينصلح حال الكرة المصرية والخطأ الفاحش يجد مَن يدافعون عنه ويبررون لصاحبه خطيئته، والمصيبة الكبرى أن مَن يدافع ويبرر مقتنع بصحة رأيه، مثلما هو مقتنع بأن لاعبه لم يخطئ وإن حدث منه ما لا يقصد! إنه عصر التعصب الذي تركناه يتملك مِن شارع (الكورة) إلى أن أصبح أكبر خطر على الكرة. القانون والقانون وحده إن وجد المنظومة الكروية التي تطبقه هو السبيل الوحيد لوقف هذا التردي، لأجل بداية الإصلاح الذي نقدر عليه فيما لو امتلكنا بجد الإرادة).
مسئوليات الأندية فوق طاقاتها:
في غياب الممارسة الفعلية للرياضة في المدارس ومراكز الشباب والساحات الشعبية، نجد كثيرًا مِن الشباب لا يمارس الرياضة، وبالتالي لا يتم اكتشاف أي مواهب جديدة في الألعاب المختلفة، ليقع العبء الأكبر في ممارسة الشباب للرياضة واكتشاف الموهوبين والاعتناء بهم على الأندية وحدها، وهي مسئوليات لا تستطيع الأندية مع محدودية أعدادها وقلة ملاعبها وضعف إمكانياتها أن تتولى القيام بها في ظل وجود عشرات الملايين من الشباب في مختلف الأعمار.
قال الكاتب إبراهيم حجازي في مقالٍ له: (هذه القضية أعرضها منذ سنين طويلة دون أدنى استجابة من الأندية واتحاد الكرة، وما زلتُ أكتب فيها، وإن كان في العمر بقية لن أتوقف عن الكتابة فيها، لسببٍ واحدٍ مقتنع أنا به، وهو: أننا نملك العنصر الأهم في صناعة نجوم الكرة، أصحاب المستويات العالمية، نملك المواهب التي تصنع نجومًا عالمية، والمشكلة أننا لم نرَ أغلبها؛ لأنها أصلًا لم تلعب كرة؛ لأنها لم تجد مساحة الأرض التي تلعب عليها؛ أما المصيبة الأكبر فهي: أن المواهب القليلة التي اكتشفناها أهملناها؛ لأننا مِن الأصل لا نعرف شيئًا عن خطط إعداد الناشئين فنيًّا وبدنيًّا وثقافيًّا، لا نعرف أن لها خطط إعداد لا تقل عن خمس سنين متصلة، مفترض أنها تقدم لنا الناشئ الذي في سن الـ17 سنة جاهزًا لأن يكون لاعبًا دوليًّا في منتخب وطنه، وليس فقط في الفريق الأول لأي نادٍ) (الأهرام عدد الجمعة 7 فبراير 2020م، ص 17) .