الفساد (73) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتبقى الدولة المتلقية للقروض ملتزمة بسداد أصل القروض ومعها الفوائد أيضًا، وهكذا لم يقتصر الأمر على أن الدول الغنية والمتقدمة لم تفِ بالتزاماتها وتعهداتها بالمساهمة في تخفيض أعداد الفقراء في العالم من خلال مساعدة الدول الفقيرة، إنما قامت بالنقيض تمامًا، وهو استنزاف موارد هذه الدول بوسائل وآليات عديدة ومتنوعة، وبالتالي: أسهمت في زيادة أعداد الفقراء بدلًا من تخفيضها) (المصدر السابق، ص40 - 42) .
تداعيات أزمة كورونا:
في وقتٍ يشهد فيه العالم أوضاع مرتبكة وأزمة اقتصادية نتيجة ممارسات حرب تجارية بين أمريكا والصين، جاءت جائحة كورونا ليجد العالم نفسه مضطرًا لاتخاذ إجراءاتٍ اقتصاديةٍ مكلفة؛ لاحتواء ومواجهة وباء كورونا، (فقد أصاب وباء كورونا الاقتصاد العالمي إصابات فادحة أوقعته في ركود عميق نتيجة إجراءات الانعزال والعزل التي فرضتها كل الدول التي هاجمها ذلك الفيروس، وهددها الوباء، فقد تضررت بشدة حركة التجارة العالمية، وتوقف منشآت صناعية عن العمل، وانهارت أسعار النفط العالمية، وتوقف أيضًا العمل في المزارع، في ظل إجراءات الغلق الاقتصادي، وتوقفت حركة النقل والسياحة عالميًّا، وهو ما أدَّى إلى شلل عام أصاب الاقتصاد العالمي سيجعل نحو 170 دولة تحقق نموًّا اقتصاديًّا سالبًا هذا العام) (المصدر السابق، ص 187-188) .
إن الآثار والنتائج التي تمخضت عنه وستتوالى بسبب هذا الفيروس "وتحديدًا بسبب الطريقة والمنهج الذي تصدت به دول العالم له"، ستكون وطأتها أكبر وأشد على الفقراء، وأيضًا: على مَن يعيشون فوق خط الفقر، ومهددون بالسقوط تحته، فهذه الطريقة التي عرفت بالتباعد الاجتماعي أو الشخصي اعتمدت أساسًا على إلزام الناس في البلاد التي هاجمها هذا الفيروس المستجد على البقاء في منازلهم، وإغلاق العديد من المنشآت الاقتصادية وغلق الحدود، وحظر السفر ورحلات الطيران، ووقف العديد من الأنشطة الاقتصادية، وقد أصاب ذلك الاقتصاد العالمي في مقتل حينما بدأت حركة التجارة في العالم في التراجع وفي الانكماش.
و(كلما استغرقت هذه الجائحة وقتًا أطول كانت آثارها وتداعياتها الاقتصادية عالميًّا أفدح وأكبر بالطبع، والعكس صحيح)، وحتى الآن ونحن في خضم الجائحة لا يملك أحد أن يتنبأ بموعد انقشاعها والخروج من هذا الكابوس العالمي، خاصة وأن هجوم هذا الفيروس ما زال مستمرًا، وكل التقديرات المتفائلة لا تتوقع التوصل إلى لقاح وإنتاجه واستخدامه قبل نهاية الخريف المقبل، بينما غير المتفائلين لا ينتظرون هذا اللقاح قبل نهاية هذا العام أو منتصف العام المقبل، وتوفيره لكل العالم سيحتاج وقتًا إضافيًّا.
ولعل ذلك كان سبب اتجاه كثير من الدول إلى انتهاج سياسة التعايش مع الفيروس؛ ولذلك لا يقدر أحدٌ أن يرصد بدقة آثار هذه الجائحة على الاقتصاد العالمي ويحصي خسائره فيها، لكن الذي لا خلاف عليه أن هناك تبعات وآثارًا سلبية بدأت بالفعل يحصدها الاقتصاد العالمي من جراء تلك الجائحة التي انتشرت في أكثر من مائتي دولة بعد إجراءات العزل، وغلق الحدود، والتوقف الإجباري لأنشطة اقتصادية وتجارية وسياحية حاليًا، وتشير التقديرات الأولية لصندوق النقد الدولي الذي أعلن بعد تفشي الجائحة أن الاقتصاد العالمي أصيب بحالة ركود عميقة، وأن خسائر الاقتصاد العالمي هذا العام بسبب أزمة كورونا سوف تبلغ تسعة تريليونات دولار، وأن أكثر من 170 دولة سيكون نموها الاقتصادي بالسالب هذا العام (2020 م) الذي سيكون صعبًا لجميع دول العالم؛ كبيرها وصغيرها، بما فيها الدول التي كانت تحقق معدلًا كبيرًا نسبيًّا للنمو، وفي مقدمتها: الصين التي يتوقع انخفاض معدل النمو الاقتصادي فيها إلى النصف (3و3 %)، وهو أمر غير مسبوق منذ سنواتٍ طويلةٍ ظلت فيها الصين تحقق معدلًا مرتفعًا للنمو.
أما الاقتصاديات الناشئة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا: فإن اقتصادياتها معرضة لمخاطر جمة نتيجة نزوح الاستثمارات الأجنبية منها؛ ولذلك من المتوقع أن يكون متوسط معدل النمو فيها 1 % فقط؛ ولذلك أعلن صندوق النقد الدولي أنه مستعد لتقديم نحو تريليون دولار للدول لتحريك عجلة الاقتصاد العالمي وانتشاله من هذا الركود العميق، وإن كان بعض الخبراء يرون أن العالم يحتاج لنحو ثمانية أمثال هذا الرقم في الأسواق لإعادة الحياة للاقتصاد العالمي.
وقد أعلنت مجموعة العشرين بالفعل عن عزمها تدبير سبعة تريليونات دولار، التزمت أمريكا وحدها بإنفاق وضخ ثلاثة تريليونات منها. ويرى خبراء اقتصاديون عديدون ينتمون إلى جنسيات مختلفة أن هذا الركود العميق الذي أصاب الاقتصاد العالمي لم يحدث من قبل تسعة عقود مضت، أي: منذ أزمة الكساد العظيم في الثلاثينيات من القرن الماضي، وبالتالي تتجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة في حدتها أزمة عام 2008م التي احتاج العالم بضع سنوات لكي يتخلص من آثارها، ويعود إلى النمو الاقتصادي بمعدل إيجابي مناسب.
وحتى الآن تقدمت نحو 80 دولة بطلبات للحصول على قروض ومساعدات من صندوق النقد الدولي لتوفير احتياجات أساسية في مواجهة فيروس كورونا، وهذه الأزمة الجديدة سيكون لها تداعياتها الخطيرة جدًّا على حالة الفقر في العالم، فستزيد من أعداد الفقراء في العالم، فحتى نهاية شهر إبريل -أي: بعد أربعة أشهر من الإعلان عن ظهور الفيروس- وطبقًا للتقديرات الدولية؛ فقد تسببت هذه الأزمة في فقد أكثر من 25 مليون شخص في العالم وظائفهم، وهذا العدد مرشح للزيادة؛ خاصة إذا طال هذا الوباء، وهؤلاء مع أسرهم فقدوا دخولًا كانت تتيح لهم تلبية احتياجاتهم الأساسية، وبالتالي: صاروا مهددين بالسقوط تحت خط الفقر والانضمام إلى صفوف الفقراء.
وقد توقعت منظمة (أوكسفام) الخيرية الدولية أن يحدث انكماش في الدخل المتاح لسكان العالم بنسبة 20 %، وتأسيسًا على ذلك توقعت أن تتضاعف أعداد مَن يعانون الفقر المدقع في العالم، وأن يزيد مَن يعيشون بأقل من 5.5 دولار يوميًّا في العالم بمقدار 548 مليون شخص، ليصل عدد هؤلاء أربعة مليارات من سكان العالم، أي: أكثر من نصفه.