شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مكر (ماكرون) هو يبور!

الشيخ علاء بكر • حدث وتعليق

ومعلوم أن لفرنسا رصيد خاص من هذه الكراهية، فهي التي أسر ملكها لويس الرابع عشر خلال الحروب الصليبية بعد هزيمة قاسية في معركة المنصورة، حيث حبس ملكها في دار القاضي لقمان، ولم يطلق سراحه إلا بعد تقديم فدية كبيرة.

وهي التي قاد قائدها نابليون بونابرت حملته على مصر حيث أعمل بمدافعه القتل والتدمير والحرق ومارس النهب ومصادرة الأموال في مواجهة المقاومة المصرية الشعبية بقيادة علماء وشيوخ الأزهر، والتي كانت من أسباب فشل الحملة، وهي التي احتلت الجزائر نحو 130 عامًا سعت فيها بكل قوة أن تجعلها جزءًا من فرنسا لغة وثقافة وفكرًا، وقتلت عدة ملايين من الشعب الجزائري، ثم قتلت أكثر من مليون جزائري خلال فترة المقاومة المسلحة من عام 1954 م حتى الاستقلال في عام 1962م، وهي اليوم تشهد انتشار الإسلام فيها إذ يقطنها نحو 6 ملايين مسلم أغلبهم ممَن ولدوا في فرنسا، ويحملون جنسيتها، ويساهمون بجهد وفير فيها.

الهجوم على صحيفة (شارلي إبدو):

كانت الشرارة الأولى بقرار صحيفة شارلي إبدو الفرنسية، وهي صحيفة ساخرة، في عام 2015م بإعادة نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم نشرتها مجلة دنماركية عام 2005 م، مما أثار حفيظة وغضب الكثير من المسلمين في العالم الإسلامي، وتصاعدت وتيرة الأحداث، وترتب عليه قيام أخوين (شريف كواشي وسعيد كواشي) منتميين لتنظيم القاعدة في اليمن باقتحام مقر الجريدة في صباح 7 يناير 2015 م أثناء اجتماع مجلس تحريرها، وقاما بقتل 12 شخصًا وإصابة11 آخرين.

وتزامن ذلك بتنسيق مسبق مع تنفيذ شريك ثالث (أميدي كوليبالي) ينتمي لتنظيم داعش عملية قتل شرطية في حي (مونروج) بباريس، ثم الهجوم على متجر يهودي في حي فانسان في الدائرة العشرين الباريسية وقتل أربعة، وانتهت العمليتان بمقتل الثلاثة المنفذين لهما بعد مطاردتهم.

وفي 14 يناير 2015 م ظهر فيديو مصور أعلن فيه متحدث باسم: (تنظيم القاعدة في جزيرة العرب) مسئولية التنظيم عن الهجوم على مبنى الجريدة، وقد قدَّمت فرنسا 14 شخصًا للمحاكمة، من بينهم حياة بومدين زوجة كوليبالي -منفذ العملية الثانية- والتي تحاكم غيابيًّا؛ نظرًا لمغادرتها لفرنسا، بتهمة التورط في الهجمات بنسب متفاوتة من خلال تقديم المساعدة وتوفير السلاح والسيارات للقتلة الثلاثة.

ومع الإعلان عن بدء المحاكمة للمتورطين في 2 سبتمبر 2020 م الماضي اتخذت صحيفة شارلي إبدو قرارًا جديدًا بإعادة نشر نفس الرسوم الكاريكاتورية المسيئة "والتي هي سبب الأزمة"؛ مما ترتب عليه تجدد غضب قطاعات كبيرة من المسلمين في العالم العربي والإسلامي، وتصاعدت وتيرة الأحداث لتأخذ أبعادًا دينية وشعبية وسياسية.

ومع ذلك خرج ماكرون ليصرِّح -مدافعًا عن الصحيفة الفرنسية!- بأن بلاده تتمتع بحرية التعبير والنشر، وترتب على ذلك قيام شاب باكستاني عمره 18 عامًا بهجوم على المقر السابق للجريدة الفرنسية وطعن شخصين أصيبا بجروح بالغة، وهو الحادث الذي أثار غضب الفرنسيين، وصرَّح بعده ماكرون مِن جديدٍ بأن فرنسا ستتصدى لما سماه: بـ"الانفصالية والانعزالية الإسلامية!"، وزعم أن الدِّين الإسلامي يمر بأزمة عميقة في جميع أنحاء العالم! وهي التصريحات التي أثارت جدلًا واسعًا.

وفي 16 أكتوبر 2020م قام شاب لاجئ شيشاني الأصل روسي الجنسية -عمره 18 عاما أيضًا- يُدعَى (عبد الله أبو زيد فيتش أنذروف) بقتل مدرس يدرس التاريخ والجغرافيا في إحدى المدارس التكميلية، وذلك في أحد شوارع مدينة (كونفلان سانت هونورين) الفرنسية؛ لأنه عَرَض الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ مما أثار حفيظة وغضب تلاميذ من المسلمين وأهاليهم، وهو الحادث الذي أعقبه طعن فتاتين محجبتين من أصل جزائري قرب برج إيفل انتقامًا لهذا المدرس.

وفي 29 أكتوبر 2020 م أعلنت الشرطة الفرنسية أن مهاجمًا قُتل بسكين ثلاثة أشخاص من بينهم امرأة في كنيسة نوتردام بمدينة نيس الفرنسية، وقد اعتقلت الشرطة المهاجم أثر إصابته برصاص الشرطة.

ولا شك أن هذه الأحداث زادها سخونة وتصعيدًا تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون المثيرة للجدل وغير المسئولة، فقد زادت من حالة الاحتقان والغضب لدى المسلمين شرقًا وغربًا، وتلتها تنديدات رسمية بعبارات قوية من شيخ الأزهر في مصر، وكذلك من العديد من المؤسسات العربية والإسلامية التي رأت في تصريحات ماكرون تبريرًا وتغاضيًا عن هذه الإساءة المتعمدة في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-، إساءة بالغة للإسلام والمسلمين من خلال خطاب يحضُّ على كراهية واضحة ضد الإسلام والمسلمين.

ماكرون يرتدي ثياب المتطرفين:

جاء في مقال في جريدة الفجر بعنوان: (باحثون ومحللون غربيون: ماكرون وقع في فخ التطرف): (لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل وقع ماكرون في فخ التطرف وهو يواجِه الخطاب الإسلامي المتطرف؟ الكثير من الباحثين والمحللين الغربيين يؤكدون أنه -أي: ماكرون- فقد بوصلة التعامل الصحيح؛ خاصة أنه في طريقه لوضع صيغة جديدة لتعامل الدولة الفرنسية مع الدين الإسلامي من المنتظر ظهورها في ديسمبر المقبل.

غرد عالم الاجتماع الأمريكي (كريستال فليمنج) الخبير في الجماعات المتعصبة من أصحاب البشرة البيضاء: (إنه لأمر محزن أن نرى المسئولين الفرنسيين يستجيبون للتطرف العنيف بالتطرف العنيف). وقال (إرييه عليمي) المحامي في الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان: (صباحًا ومساءً نسمع دعوات لاتخاذ إجراءات جديدة ضد المسلمين؛ ما نحتاجه من ماكرون هو شيء أكثر حكمة، شيء أكثر توازنًا).

وحسب الصحفي الفرنسي (جون ليتشفيلد) على موقع (بوليتكو) فإن العليمي على حق: (يحتاج ماكرون للعودة إلى النهج المعقول والمدروس لعلاقة فرنسا مع مواطنيها المسلمين الخمسة ملايين) (جريدة الفجر - عدد الخميس 29 أكتوبر 2020م، ص 7) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية