انتفاضة شيخ الأزهر... دروس وعِبَر
الشيخ علاء بكر • حدث وتعليق
ومعلوم أن شيخ الأزهر يعرف فرنسا جيدًا؛ لكونه درس فيها وعاش لفترة، ومع ذلك (لم يستمر اللقاء أكثر من 20 دقيقة، حيث استقبل شيخ الأزهر وزير الخارجية على باب مكتبه ومعه عدد من قيادات الأزهر واستمع الإمام الأكبر لوجهة نظر وزير الخارجية الفرنسي في البداية، ثم أعلن رفضه لما صدر عن الجانب الفرنسي بشكل كان واضحًا وجليًّا، وسط فتور الاستقبال وتعبيرات وجه تشير بوضوح لغضب الإمام الأكبر، وكان أثر موقف الطيب واضحًا على الوزير الفرنسي) (راجع جريدة الفجر عدد الخميس 12 نوفمبر 2020 م: ص 7) .
رسائل شيخ الأزهر لفرنسا والأوروبيين:
أكَّد شيخ الأزهر في لقائه مع وزير خارجية فرنسا أن المسلمين حول العالم حكامًا ومحكومين رافضون للإرهاب الذي يتصرف باسم الدِّين، وأنهم يؤكدون على براءة الإسلام ونبيه من أي إرهاب.
وأضاف: (إن الأزهر يمثِّل صوت ما يقرب من ملياري مسلم، وقلت: إن الإرهابيين لا يمثلوننا، ولسنا مسئولين عن أفعالهم، واعلنت ذلك في المحافل الدولية كافة؛ في باريس، ولندن، وجنيف، والولايات المتحدة، وروما، ودول آسيا، وفي كل مكان، وحينما نقول ذلك لا نقوله اعتذارًا؛ فالإسلام لا يحتاج إلى اعتذاراتٍ).
وأوضح شيخ الأزهر قائلًا: (وددنا لو أن يكون المسئولون في أوروبا على وعي بأن ما يحدث لا يمثِّل الإسلام والمسلمين؛ خاصة أن مَن يدفع ثمن هذا الإرهاب هم المسلمون أكثر من غيرهم).
وأضاف: (أنا وهذه العمامة الأزهرية حملنا الورود في ساحة (باتاكلان) وأعلنا رفضنا لأي إرهاب).
وقال شيخ الأزهر أيضًا لوزير خارجية فرنسا: (حين يكون الحديث عن الإسلام ونبيه -صلى الله عليه وسلم- فأنا لا أجيد التحدث بالدبلوماسية، وسأكون دائمًا أول مَن يحتج ضد أي إساءة إلى ديننا ونبينا، وأنا أتعجب حينما نسمع تصريحات مسيئة مثل التي سمعناها؛ لأن هذه التصريحات تسيء إلى فرنسا، وتبني جدارًا من الكراهية بينها وبين الشعوب العربية والإسلامية. وهذه التصريحات يستغلها المتطرفون في القيام بأعمال إرهابية، والمسئولون هنا يتحملون جانبًا من المسؤولية؛ لأن واجب الحكومات أن تمنع الجرائم قبل حدوثها، فحينما تسيء صحيفة إلى نحو ملياري مسلم؛ فهذه ليست حرية تعبير، بل هذه جريمة تجرح مشاعر المسلمين وكل المعتدلين، وتضر بمصالح فرنسا نفسها لدى الدول العربية والإسلامية).
وأضاف قائلًا: (صدري واسع للحديث في أي شيء، لكن الإساءة لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- مرفوضة تمامًا، وإذا كنتم تعتبرون الإساءة لنبينا حرية تعبير؛ فنحن نرفض هذه الحرية شكلًا ومضمونًا، وسوف نتتبع الذي يسيء إلى نبينا في المحاكم الدولية، حتى لو أمضينا عمرنا كله في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ هذا الرسول الكريم الذي جاء رحمة للعالمين، وأطالب دول الحقوق والحريات أن تتخذ خطوات حقيقة ملموسة لوقف أي تصريحات تربط الإرهاب بالإسلام، وتقول: (الإسلامي) أو (الإسلاموي)؛ فهذه المصطلحات جميعها تجرح مشاعر المسلمين).
(وأشار فضيلته إلى أن الإرهاب صنيعة دولية، والعالم العربي هو المسرح الذي تنفذ عليه جرائم الإرهاب، وقال: إنه شخصيًا يتعجب من عجز هذا العالم الذي يتباهى بتقدمه وقوته عن مطاردة هؤلاء الإرهابيين؛ فلو أن هناك رغبة جادة للقضاء على الإرهاب لقضوا عليه، وأنه يطن أن الإرهاب بندقية بالإيجار تلعب بها الدول وتتناقلها، والضحية هنا هم المسلمون والعرب، (ونقول للجميع: إننا مستعدون للتعاون من أجل القضاء على التطرف والإرهاب، ولن ندخر في سبيل ذلك جهدًا)، معربًا عن استعداد الأزهر للتعاون مع فرنسا وعلى نفقة الأزهر لتصحيح المفاهيم المغلوطة والتشدد داخل فرنسا، ولا نريد مقابل ذلك أي ثناء أو شكر؛ لأننا نعمل من أجل السلام الذي هو رسالة الإسلام، وعلى استعداد لتقديم منصة خاصة للحوار ونشر الوسطية والاعتدال والتعاون باللغة الفرنسية، ونتعاون مثلما تعاونا مع الفاتيكان ومجلس الكنائس والمؤسسات الدينية الكبرى حول العالم، وقد كانت وثيقة الأخوة الإنسانية خير شاهد على هذا التعاون، والتي لو قرأها المسؤولون وأمعنوا النظر بها لتجنب العالم مشكلاته) (راجع جريدة (صوت الأزهر) عدد 25 ربيع الأول 1442هجريا الموافق 11 نوفمبر 2020م، ص 3 بتصرف) .
تأكيده على وجوب محبة الرسول والدفاع عنه بكل ما نملك:
وقد أكَّد الدكتور الطيب وجوب محبة كل مسلم للنبي -صلى الله عليه وسلم- والدفاع عنه بقدر ما يستطيع، حيث قال: (يتوجب علينا تجديد مشاعر الحب والولاء والدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأرواحنا، وبكل ما نملك من غالٍ ونفيسٍ؛ فمحبته -صلى الله عليه وسلم- فرض عين على كل مسلم) (راجع جريدة الفجر عدد الخميس 12 نوفمبر 2020 م، ص 7) .
تعقيب وزير خارجية فرنسا على اللقاء:
(عقب اللقاء خرج وزير الخارجية الفرنسي (لودريان) في مؤتمر صحفي لوسائل الإعلام العربية والعالمية من قلب مشيخة الأزهر، واستمر لمدة 4 دقائق، شرح فيه الموقف الفرنسي في رسالة اعتذار واضحة للعالم العربي والإسلامي من قلب مشيخة الأزهر، وقد حرص الإمام الأكبر على ألا يكون موجودًا في المؤتمر؛ لتكون رسالة واضحة لا لبس فيها، ولا دخل للأزهر) (راجع المصدر السابق) .
ويُلاحَظ: أن شيخ الأزهر لم يتعرض لأمر المقاطعة للمنتجات الفرنسية بالموافقة عليها أو بالاعتراض، ولم يشر إليها، ولعل ذلك لأنها قد تمت بالفعل، ولاقت استجابة واضحة، وأحدثت أثرًا إيجابيًّا، فجعل همه في توجيه المسلمين لأمور أخرى يمكن أن يتخذوها نصرة للإسلام ونبي الإسلام، من تعريف الغرب بحقيقة الإسلام، وبيان مكانة النبي -صلى الله عليه وسلم- العالية، ومن ملاحقة المسيئين للإسلام ونبيه -عليه الصلاة والسلام-، والدعوة إلى محاكمتهم محاكمة دولية، والدعوة إلى إصدار تشريع يجرِّم الإساءة للإسلام ونبي الإسلام، وغير ذلك مما تضمنته رسالاته الواضحة.
هل تجدي الملاحقة القانونية؟