شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (76) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (4) إسراف للأثرياء يتنافى مع رفع البلاء (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وقد ذمَّ القرآن الكريم مَن كان حاله على نقيض ذلك، وعدَّ ذلك من قسوة القلوب، قال -تعالى-: ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:43) .

2- التقرب إلى الله -تعالى- بالإكثار من العبادات؛ خاصة صلاة النوافل وقيام الليل والاجتهاد في قراءة القرآن وصيام التطوع وبذل الصدقات.

3- المشاركة في التكافل والتضامن مع أفراد المجتمع، وتقديم العون للمحتاجين، ففي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- المرفوع: ( مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ )، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. (رواه مسلم) . ولا شك أن هذا في الشدائد أوجب وأوكد.

4- التحلي بخُلُق الإيثار، والابتعاد عن الأثرة، ومِن أسوأ صور الأثرة والأنانية المسارعة في شراء السلع الأساسية والأدوية المهمة التي تساعد في علاج الوباء، والإكثار من تخزينها بدون حاجة ملحة مما يؤدي إلى رفع أسعارها، وحرمان الفقير من الحصول عليها إذا احتاج إليها، ففي الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- في مدح الأشعريين: ( إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ) (رواه مسلم) .

5- مواساة المصابين وأهل البلاء بالتألم لألمهم وإظهار التعاطف معهم، والمساهمة في التخفيف عنهم؛ فلا بد هنا من الإيجابية والتعاون في مواجهة التحديات، والمشاركة في تجاوز العقبات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) .

6- تجنب الإسراف والتبذير "خاصة في الطعام والشراب وأنواع المباحات"؛ فضلًا عن الوقوع في تناول المحرمات من الأطعمة والأشربة، فكلها تجلب غضب الرب ونقمته، قال -تعالى-: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف:31) ، وقال -تعالى-: ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) (طه:81) .

وفي الحديث المرفوع: ( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) (رواه الترمذي، وصحححه الألباني) ، وهذا خُلُق بلا شك مطلوب في كل وقت، ولكن في الشدائد والمحن وأزمات الأمة، أوكد وأشد.

7- مراجعة أحوال النفس ومحاسبتها على أعمالها؛ فالمحن مدعاة لتذكر الآخرة والمبادرة إلى التوبة وكثرة الاستغفار، والكف عن المعاصي والمحرمات، ومن أقوال السلف في ذلك: "لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة".

8- اتباع التدابير والإرشادات الوقائية والأخذ بإجراءات السلامة لمواجهة الأوبئة ومنع انتشارها، طبقًا لما يرشد إليه أهل الاختصاص والمسئولين، فهذه من المواطن التي تنبغي فيها الطاعة لهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ ) (متفق عليه) ، وقد وردت في السُّنة النبوية الكثير من الأحاديث في الوقاية من الأمراض والأوبئة، ومنها:

أ- تجنب المخالطة اللصيقة لمَن تظهر عليه أعراض الوباء، وقد ذكر أهل الاختصاص أن الوباء ينتشر أكثر في أماكن التجمعات: كالأسواق، ووسائل المواصلات الجماعية، والمدارس والجامعات، وفي الحديث المرفوع: ( لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ) (رواه البخاري) .

ب- تغطية الفم والأنف عند العطس أو السعال، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ، وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ" (رواه الترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح") .

ج- تجنب البصق في أماكن جلوس أو مرور الناس، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا ) (متفق عليه) .

د- تجنب التنفس أو النفث في الشراب والطعام وأوانيهما، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ ) (رواه البخاري) .

هـ- تجنب الشرب من فم السقاء إذا كان هناك مَن يشارك المرء في هذا السقاء، فقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الشرب من فم القربة أو السقاء. (رواه البخاري) .

ومن أعظم ما جاءت به السنة النبوية وسبقت به الطب الوقائي الحديث بقرون طويلة ما جاء في:

أ- شأن الحجر الصحي: حيث جاءت السنة النبوية بمنع الناس على مستوى الجماعة من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون -أو الوباء-، ومنع أهل البلدة من الخروج منها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ -أي: الطاعون- بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ) (متفق عليه) . وهذا أيسر وأقوي السبل لمنع انتشار الوباء في البلاد، كما ذهب إليه الطب الوقائي حديثًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية