الفساد (76) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (4) إسراف للأثرياء يتنافى مع رفع البلاء (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وفي الحثِّ على القيام بذلك والصبر عليه قال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ ) (رواه البخاري) . وفي الحديث المرفوع: ( لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ) قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: ( يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيق )، (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
كما جاءت السُّنة بعزل المريض بالوباء ومَن ظهرت عليه أعراضه عزلًا فرديًّا على المستوى الفردي، واعتزاله جماعيًّا:
ففي الحديث المرفوع: ( وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ ) (رواه البخاري) ، وفي الحديث أنه كان في وفد لثقيف جاء لمبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل مجذوم فأرسل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ ) (رواه مسلم) .
وقد مرَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بامرأة مجذومة، وهي تطوف بالبيت فقال لها: "أمة الله لا تؤذي الناس، لو جلست في بيتك"، فجلست في بيتها، فمر بها رجل بعد ذلك، فقال: "إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: والله ما كنت لأطيعه حيًّا وأعصيه ميتًا" (أخرجه مالك في الموطأ) .
ب- علاج المرضى ورعايتهم والعناية بشئونهم عن طريق الأطباء المدربين والتمريض المتخصص لحين التماثل للشفاء مع أخذ التدابير الوقائية: وقد رد في فضل ذلك أن النبي *صلى الله عليه وسلم- أذِن لعثمان بن عفان -رضي الله عنه- في التخلف عن غزوة بدر للعناية بزوجته وكانت مريضة اشتد بها المرض، وقال له: ( إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَسَهْمَهُ ) (رواه البخاري) .
ج- الدعم المادي والنفسي للمرضى والمبتلين، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) . وفي الحديث المرفوع: ( لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ ) (رواه ابن ماجه، وقال الألباني: "حسن صحيح") ، فلا يطيل المرء النظر إلى المجذوم أو يكرر النظر لمواضع مرضه كي لا يتسبب في إيذائه نفسيًّا بنظراته ومراعاة لمشاعره.
وهذا يبين وبوضوح كيف سبقت الشريعة الإسلامية -وعلى أرقى مستوى- ما توصل إليه الطب الوقائي الحديث، وهذه الإجراءات بالطبع ليست من باب تقييد حرية المريض، بل هي في الحقيقة تقييد لانتشار الوباء أو المرض، ولا شك أن في هذا الحجر وقت الوباء صيانة لحياة الناس وبقائهم.
9- تعهد عبادات القلب من صبر ويقين وتوكل على الله، مع الأخذ بالأسباب التي تحمي المرء من البلاء.
10- بث السكينة والطمأنينة بين الناس، والابتعاد عن إثارة الخوف والهلع فيهم، مع التثبت من صحة الأخبار قبل تداولها، وترك الترويج للشائعات والآراء المغلوطة، قال -تعالى-: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) (النور:15) ، وقال -تعالى-: ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا . سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) (الأحزاب:60-62) . وفي الحديث المرفوع: ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
ومِن نعم الله على عباده أن ينعم عليهم بالسكينة والطمأنينة وقت الشدائد، فهي مِن معية الله -تعالى- لعباده المؤمنين، وهي علامة على اليقين في الله -تعالى-، قال -تعالى-: ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (التوبة:26) ، وفي الحديث المرفوع: ( يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ) (متفق عليه) .
11- الأخذ بالأسباب، ومنها: التداوي. والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، فالتوكل عمل القلب، والأخذ بالأسباب عمل الجوارح. وقد أمر الشرع بالأخذ بالأسباب قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) (النساء:71) ، وقال -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ) (الأنفال:60) ، وأمر -تعالى- بالسعي للرزق قال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك:15) . وقال -تعالى-: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) (الجمعة:10) ، ولم يرضَ النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته بالتواكل وترك الأخذ بالأسباب، فعندما قال -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: ( وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا )، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ، قَالَ: ( لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ) (متفق عليه) .