شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (77) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (5) إسراف للأثرياء يتنافى مع رفع البلاء (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وقد جاء في بعض الإحصائيات أنه يُنفق في شهر رمضان من قِبَل الجمعيات والمتصدقين على الفقراء من خلال موائد الرحمن وغيرها نحو 2 مليار جنيه طوال الشهر كله، بينما ينفق على الاحتفال برأس السنة الميلادية (الكريسماس) من خلال الأغنياء والأثرياء ورجال الأعمال في سفريات وفسح وحفلات وسهرات تقام في هذا اليوم وليلته وحده تقوم كلها على الإسراف في الطعام والشراب، والتهافت على الرقص والغناء نحو 5.5 مليار جنيه!

إسراف الأغنياء يزيد البلاء سوءًا:

مما يزيد الأمر سوءًا؛ خاصة في أوقات الوباء: الصور الصارخة من الإسراف والتبذير التي يمارسها الكثير من رجال الأعمال والأغنياء والأثرياء، غير مبالين بحرمة ذلك ومتجاهلين مشاعر مَن حولهم مِن الفقراء والمحتاجين، وهي حالة تتنافى تمامًا مع ما يجب أن يكونوا عليه في وقت الابتلاء من التقرب إلى الله -تعالى-، ومواساة الفقراء والمحتاجين بأموالهم تلك، وترشيد الإنفاق والاستهلاك بالإنفاق في غير إسراف وفي غير المحرمات، وهي حالة لا يحبها الله -تعالى- ويبغض فاعليها، فتتعرض الأمة لمقت الله -تعالى- وعقوبته على إساءة استخدام نعم الله -تعالى- عليها، زيادة على ما هي فيه مِن ابتلاء:

قال -تبارك وتعالى-: ( وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) (الإسراء:26-27) ، ويقول -تعالى-: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف:31) ، ويقول -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) (الفرقان:67) ، ويقول -تعالى-: ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ) (الإسراء:29) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُوا وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني) ، فالأكل واللبس ينبغي أن يكون في غير سرفٍ، والتصدق يكون في غير مخيلة.

وقد ترجم الإمام البخاري أحد أبواب صحيحه في كتاب اللباس: "باب قول الله -تعالى-: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ) (الأعراف:32) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُوا وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ )، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كل ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة)".

(وإذا كان ترشيد الاستهلاك مطلوبًا كنمط حياة، فإن الأمر يكون ألزم في أوقات الشدائد والأزمات، بل إن الأمر لا يقف عند حدود ترشيد الاستهلاك فحسب، وإنما يتطلب أمرين آخرين: الأول: البُعد عن الأثرة والأنانية والشره في شراء السلع وتخزينها فوق الحاجة الضرورية؛ مما يتسبب بالطبع في شحها ورفع أسعارها وضرر الآخرين، بل ضرر الجميع، والقاعدة الفقهية الشرعية: أنه لا ضرر ولا ضرار)، (الأمر الآخر: هو أن أوقات الشدائد والأزمات تتطلب الإيثار لا الأثرة، حيث يقول الحق -سبحانه وتعالى-: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الحشر:9) (راجع: فقه النوازل: كورونا المستجد أنموذجًا، إشراف وتقديم ومشاركة د. محمد مختار جمعة وزير الأوقاف ط. مطبعة وزارة الأوقاف، ص 40 - 41 بتصرف) .

وقد ذمَّ الله -تعالى- في القرآن الكريم حال مَن يبتليهم بالنوازل والفتن حتى يعودوا إلى مرضاته، لكنهم يتمادون بغفلتهم في غيهم فيعرِّضون أنفسهم للعقوبة في الدنيا والآخرة، ولا يليق بمَن أكرمهم الله -تعالى- بالإسلام والإيمان أن يكون حالهم كحال هؤلاء، قال -تعالى-: ( أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (التوبة:126) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (الرعد:31) ، وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) (الأنعام:42-44) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ . ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) (الأعراف:94-95) .

بذخ وغفلة في زمن الكورونا:

دأبت الصحف والمجلات من وقتٍ لآخر على نقل أخبار كثيرة حول صورٍ مِن البذخ في الإنفاق من الأغنياء والأثرياء فاقت كل تخيل رغم ما تشهده البلاد من وباء، ورغم ما تنادي به السلطة التنفيذية للدولة من منع التجمعات والاحتفالات، وتطالب به من تطبيق الإجراءات الاحترازية والوقائية، وهي صور تنبِّئ بما عليه الأغنياء والأثرياء، ورجال الأعمال من الحياة في جزر مغلقة منفصلة عن باقي المجتمع وهمومه، بل وعن أزمته.

ومِن صور ذلك:

- إقامة الاحتفالات والحفلات الفخمة في قصور وفيلات الأغنياء ورجال الأعمال، بحضور مطربين وفنانين وشخصيات عامة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية