شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل أخطأت هيئةُ كبارِ العلماء في بيانِها حول الإخوان؟!

محمد السعيدي • حدث وتعليق

وإن زعموا أن تقييدهم في هذه الفقرة بقولهم "مَن ثَبَت قطعًا" عاصم لهم؛ فليس بصحيح، لأنهم أعلنوا هذه الفتوى على عموم الناس، وأجازوا لعموم الناس القيام بهذا العمل الإفسادي وهو القتل، فمن من عموم الناس لديه القدرة على التمييز بين القطع والظن والوهم؟!

والحق أنهم أرادوا بهذه الفتوى غير الشرعية الإفساد في الأرض وشيوع الاقتتال بين الناس، فهذا يقتل شرطيًا؛ لأنه يراه مع الانقلاب تحقيقًا للفتوى الخبيثة، وآخر يقتل صحفيًّا؛ لأنه أيَّد الانقلاب، وثالث يقتل مفتيًا، ثم يأتي أقارب هؤلاء ليثأروا من القاتل، فلا تستقر الأمور ولا تنضبط، ولا تزداد الدماء والأموال والأعراض إلا هدرًا.

ثُمَّ أليس الإخوان هم مَن ينتقدون الأنظمة لاستباحتها السجن والقتل بزعمهم دون محاكمة؟ كيف يصح أن يأمروا باستحلال دماء الملايين من العسكريين والمفتين والسياسيين دون محاكمة، أم أنه يحل لهم مالا بحل لغيرهم؟!

ومن نعمة الله -تعالى- أن الشعوب العربية والشعب المصري بخاصة كانوا أفقه وأعرف بالحق وأقرب للفطرة من أدعياء العلم هؤلاء، ولولا ذلك لكانت مصر اليوم مقبرة لأهلها، كما هي ليبيا وسوريا واليمن والعراق.

وقد يقول محسنٌ للظن بهم: إنهم بهذه الفتوى لم يخاطبوا الناس على الإطلاق، ولم يريدوا القتل على الإطلاق، بل قيدوه بقولهم في البيان: "بضوابطه الشرعية".

والجواب: أنَّ أول الضوابط الشرعية هو كون القصاص في كل المذاهب الأربعة وعند جميع المجتهدين لا يأخذه إلا السلطان أو من يُنيبه، ولم يقل أحد من أهل العلم بجواز أن يأخذ الناس القصاص بأيديهم حتى لو كانوا أولياء دم المقتول المباشرين، فكيف يُعطى الحقُ لكل من أراد الاقتصاص ممن شاء؟! وأين الضوابط الشرعية والحكم كله ليس شرعيًا، بل حكم خارجي لا يرضاه عالم يحكم بعلمه، ولا عاقل يركن إلى حكمته وتبصره.

ثُمَّ ها هو شيخهم "يوسف القرضاوي" يؤكد هذا الإطلاق ويأمر عموم الناس بممارسة القتل غير عابئ بما سيصيب الخلق جراء ما يفتي به من المفاسد! وذلك حين أجاز القتل على عواهنه، وكيف ما اتفق في الثورة السورية، فقال في قناة الجزيرة بعد سؤال المذيع له عن العسكريين الذين لا زالوا واقفين مع النظام السوري ويوجد منهم مَن يريد الانشقاق ولا يستطيع، فأجاب: "الذين يعملون مع السلطة يجب أن نقاتلهم جميعًا، عسكريين مدنيين، علماء، جاهلين، إن لم يكونوا على هذه السلطة الظالمة المتجبرة في الأرض التي قتلت الناس بغير حق هو ظالم مثلُها، فيأخذ حكمها، فكل من يقاتل فعليه أن يقاتل هؤلاء، إذا كان فيهم واحد مظلوم فالله سبحانه و-تعالى- سيدافع عنه، وسيأخذ حقه ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال:25) " (?) .

فقد جعل لكل من أراد القتال أن يقتل كيف ما اتفق، عالمًا أو جاهلًا، عسكريًّا أو مدنيًّا، ظالمًا أم مظلومًا، ولم يقدم كلمة واحدة عن التحري ووجوبه؛ لاسيما في الدماء، ولم يتحدث عن اشتراط الراية في القتال، خلاصة رأيه لمن شاء قتل من يرى أنه اتصف بمشاركة النظام دون تمييز، وهذا ما وقع، وهو ما أوصل سوريا لما هي فيه اليوم؛ مناط الحكم بالقتل عنده هو العمل مع السلطة؛ وأي دعوة للفساد في الأرض واستباحة الدماء أكبر وأعظم من هذه؟ والأعجب منها: أن القرضاوي يُدِين ما تفعله داعش، فأي فرق بين ما يفتي به وما تعمله داعش، فمناط الحكم بالقتل عند داعش هو التعاون مع الأنظمة وهو المناط نفسه الذي ذكره القرضاوي.

ويخالف القرضاوي مهمَّة العلماء مع الناس وهي المحافظة على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم فيحرض الشباب والشيوخ والبنات والأمهات على الخروج في مواجهة الجيش المصري والآلة العسكرية، يقول: "نحن ندعو المصريين جميعًا أن يخرجوا، اخرجوا من بيوتكم أيها المصريون، لا تتركوا الأمر يزداد، لا يستطيع هؤلاء أن يفعلوا معكم شيئا، اخرجوا من بيوتكم في صلاة العصر، في صلاة المغرب، كلكم اخرجوا، الرجل يخرج، وامرأته تخرج، وبناتها تخرج، وأولادها يخرجون، حتى الأطفال المميزون: اخرجوا، اخرجوا من بيوتكم، هذا فرض عين على المصريين… !" (?) .

وقد أدرك المصريون بِفِطَرِهم وبأهل العلم الصادقين عندهم بأنهم سواء أرضوا باستيلاء الجيش على السلطة أم سخطوه، فلا يحل لهم مصادمة السلطة لما في ذلك من تسليط الناس بعضهم على بعض، وتسليط الجيوش والحكام على الناس مما يفضي إلى الشر العظيم كما هو الحال في سوريا التي أصبح الناس يرون أن حكم أسوأ مستبد وظالم لها خير مما هي عليه من حال، وكذلك الأمر في سواها من الدول.

ويقول الإعلامي "محمد ناصر" في برنامجه الذي يُبثُّ من تركيا على الهواء: "اقتلوا ضباطهم، أنا بقول على الهوا: اقتلوا الضباط، أنا عايز أقول لكل زوجة ضابط زوجك هيُقتل، النهاردة لا؛ بكرة نعم، سيقتل يقتل" (?) ، وهذا الخطاب وإن كان من إعلامي وليس من عالم فإنه يوافق فتاوى العلماء التي نقلنا وفتوى القرضاوي وغيرهم، لكن الإضافة فيه أن الأمر انتقل إلى التحريض الإعلامي الصريح بقتل الضباط، وإدخال الشباب في مواجهات مع سلطات هم أضعف منها بعشرات المراحل، ولن يصلوا منها إلا إلى تحطيم مستقبلهم وإيغالهم في الدماء وجر البلاد إلى دوامة الصراع.

وبلغ الأمر ببعض مفتيهم وهو "شرف عبد الغفار" -أحد قيادات الإخوان- في لقاء طويل إلى أن يدعو إلى تفجير محطات الكهرباء ويرى أن ذلك درجة من السلمية!

والعجيب أن عنوان اللقاء كان: "سلمية الإخوان وطمع الانقلاب في جر البلاد للعنف"؛ فأي سلمية لمن يدعون للقتل وتفجير محطات الكهرباء، ومن هو الذي يجر البلاد إلى العنف حينئذٍ؟! (?) .

وهذه الدعوات إلى الإفساد في الأرض بزعم الإصلاح لا نعرف أن أحدًا من علماء الإخوان انتقدها، أو رد عليها أو تبرأ منها، وإذا قامت هيئة كبار العلماء بالحكم على الجماعة بكونها إرهابية بناءً عليها فلها الحق في ذلك، فتحذير الأمة من مصادر هذه الأفكار التي لا تفضي إلا إلى الخراب واجب، وقد علمتنا التجارب أن هذه الأفكار حيثما حلت حققت في الأرض فسادًا عظيمًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية