شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل أخطأت هيئةُ كبارِ العلماء في بيانِها حول الإخوان؟!

محمد السعيدي • حدث وتعليق

وحين نُرَاجع أصل تكوين هذه الأفكار نجدها ناشئة عن التكفير المطلق للأمة الإسلامية والحكم عليها بالردة؛ وهذا الرأي التكفيري وإن كان لا يتبنَّاه كل الإخوان؛ إلا أنه أصبح ذا تأثير عظيم حتى على من لا يتبنونه، وقد كان أعظم من تبناه من قادتهم الفكريين سيد قطب، وكان كما يؤكد ذلك علي عشماوي يوجه من خلاله التنظيم الخاص في آخر تكوين له، وله في ذلك كلام كثير مشهور أقتصر منه على النص التالي: "لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله، فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: "لا إله إلا الله"، دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لأنفسهم– وهي مرادف الألوهية– سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب.

فالأفراد، كالتشكيلات، كالشعوب، ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية.. إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء… البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: "لا إله إلا الله" بلا مدلول، ولا واقع... وهؤلاء أثقل إثمًا وأشد عذابًا يوم القيامة، لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد -من بعد ما تبين لهم الهدى- ومن بعد أن كانوا في دين الله! فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلًا أمام هذه الآيات البينات" (?) ، فالمسلمون ليسوا فقط واقعين في أخطاء وانحرافات خطيرة؛ بل هم بأعيانهم مرتدون عن الإسلام؛ والذي يقع في ذهن الشاب وهو يرى مُنَظِّرًا كسيد قطب يقول ذلك: أن المجتمع تقع عليه أحكام المرتدين من المفارَقة والمقاتَلَة، وهو ما صرح به قُطب وغيره، وانبثقت بسببه جماعات عدة منها تحكم بقتال الناس وقتلهم وآخرهم القاعدة وداعش ومن نحا نحوهما.

ويقول "فتحي يكن" وهو من منظري الإخوان في لبنان: "واليوم يشهد العالم أجمع ردة عن الإيمان بالله وكفرًا جماعيَّا وعالميا لم يعرف لهما مثيل من قبل، ولقد ساعد على هذا عوامل كثيرة، منها: انعدام وجود واقع إسلامي صحيح ولو في قطر واحد من الأقطار يطبق في الحكم الإسلامي، وتسوده شريعة لا إله إلا الله مما يمكن أن يعتبر نموذجا عمليا للمنهج الإلهي الذي يقوم أساسًا على الإيمان بالله" (??) .

والعجيب أن هذا الذي ينعى على بلاد المسلمين عدم وجود واقع إسلامي صحيح، كان أبرز مؤيدي "حسن نصر" إيران، زعيم الحزب الصفوي الإيراني، ومن أكبر داعمي العماد ميشال عون، وأحد من رافق حزب الشيطان في اجتياح بيروت، فلا ندري أي واقع إسلامي وجد عندهم؟!

أمَّا بالنسبة لنا في المملكة العربية السعودية، فإننا نَعُدُّ من أعظم الإرهاب والإجرام وأخطره: كل ما يتعلق بإرادة زعزعة الأمن في بلادنا، واستهداف كيان المملكة العربية السعودية بالقول أو الفعل أو تأييد من لهم ضلع في العمل على استهداف كِياننا ومكتسباتنا.

وإذا رجعنا لجماعة الإخوان تاريخًا وواقعًا نجد أنَّ زعزعة الدولة والاستيلاء عليها كان موجودًا في أدبيات تأسيسها، وانظر في ذلك قول حسن البنا: "ونريد بعد ذلك أن نضمَّ إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي فرَّقته السياسة الغربيَّة، وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية، ونحن لهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية، ولا نسلم بهذه، والاتفاقات الدوليَّة التي تجعل من الوطن الإسلامي دويلات ضعيفة ممزَّقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين، ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها، فمصر وسورية والعراق والحجاز واليمن وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش وكل شبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله، كل ذلك وطننا الكبير الذي نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه وضمِّ أجزائه بعضها إلى بعض" (??) .

لا شك أن البنا كتب هذا الكلام بعد عام 1348هـ عام تأسيس الجماعة، وفي ذلك الوقت كانت الحجاز التي يرمي إلى تحريرها تحت حكم الملك عبد العزيز رحمه الله، ولم تطأها قدم محتل منذ تركها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الرَّفيق الأعلى، فأي تحريرٍ كان يريد للحجاز؟ وأي تطبيق للشريعة كان يريد للحجاز أعظم مما كان مطبقًا فيها من القضاء والقيام بالدين في كل مناحي الحياة؟ لكن نزعته -غفر الله له- في عدم الاعتراف بالدُوَل القطرية جعلته لا يُفَرِّق بين دولة محتلة ودولة مستقلة.

وهذه النزعة ضد السعودية يبدو أن حسن البنا أسَّسها في أتباعه وأورثهم إياها؛ فطول تاريخ السعودية لم يُعرف عنهم إلا في القليل النادر الثناء على السعودية أو حكامها، بل العكس هو الصحيح، فكثيرًا ما كانت كتاباتهم وخطاباتهم في التشكيك في الدولة وقادتها، بل والتآمر المكشوف عليها، وأخص ما بعد عام 1399هـ وهو العام الذي قامت فيه الثورة الإيرانية، والتي قاموا معها بالعظيم من الدعاية والتزكية حتى وصفوا الخميني بأنه خليفة المسلمين، مع أنَّك حين تستعرض مؤلفاتهم ومذكرات قادتهم لا تجد فيها أي ثناء على السعودية منذ قيامها؛ ككتابات حسن البنا، والهضيبي، وعبدالقادر عودة، والتلمساني، وعبدالرحمن خليفة، ومحمود عبد الحليم، ويوسف ندا، ويوسف القرضاوي وغيرهم؛ كلهم تخلو كتبهم من الثناء على السعودية؛ بل في بعضها نقدٌ وكذبٌ؛ ككتاب يوسف ندا، والقرضاوي، وعبد الرحمن خليفة.

بالرغم من أمرين:

الأول: مواقف السعودية معهم، فإنهم كلما اضطُهِدُوا في بلد من البلدان -في مصر والعراق وليبيا وسوريا- لم يجدوا لهم مأوى سوى السعودية.

الآخر: أنَّ حسن البنا في إحدى رسائله قد ذكر ماذا يريد من مشروعه، فذكر أنه يريد الدولة التي تعمل بالكتاب والسنة، وتقيم الفضائل، وتربي الأجيال على كتاب الله وسنة رسوله، قال: "ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود هدا الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدى الإسلام من بعد كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبي بكر وعمر من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأيِّ نظامٍ حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه" (??) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية