هل أخطأت هيئةُ كبارِ العلماء في بيانِها حول الإخوان؟!
محمد السعيدي • حدث وتعليق
ولا يخفى أنَّ هذه الصفات لم تكن في دولة من دول العالم كما هي في السعودية؛ لاسيَّما في الزمن الذي عاصره البنَّا وهو عهد المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله-، وبقيت المملكة عليه بشكل ليس في غيرها من بلاد العالم؛ والإخوانُ الذين وفدوا إليها يعلمون ذلك حقَّ اليقين، وكانوا يرونها أفضل بلد يسكنون فيها ويربون أولادهم في أجوائها تربية دينية، ومع ذلك لم يكن منهم أي إشادة بها، وعدم إشادتهم مع غنى الدولة -ولله الحمد- عنها أقل ما يقال فيها: إنها غمط الناس وبطر الحق؛ خاصة وأنهم يحسنون المديح، بل هم خبراء في تدبيجه، وقد اتضح ذلك من ثنائهم ومواقفهم مع الثَّورة الإيرانية بالرغم من بعدهم عنها مذهبيًا إلا أنهم حملوا راية الدعاية الكاذبة للتقريب والتي كانوا هم فيها الفخ الذي نصبته إيران لعموم المسلمين.
وأيضًا بالرغم من معرفتهم عداء الخميني للسعودية ودعايته ضدَّها ونشره للدعوة إلى الانقلاب عليها مستهدفًا وجودها، لم يحركوا ساكنًا، بل كل ذلك تجاوزوه، وصرحت الجماعة في بيانها أثناء أزمة الرهائن بأن إيران هي النظام الإسلامي الوحيد (??) ، فإذا كان عدو السعودية هو النِّظام الإسلامي الوحيد في نظر الإخوان؛ فأين تكون السعودية عندهم التي دستورها الكتاب والسنة، بينما ينص دستور إيران على أنها شيعية اثنا عشرية؟!
بل زعم الإخوان في بيانهم عند زيارتهم للخميني: أنَّ الثورة الإيرانية ليس مكانها إيران بل كل العالم الإسلامي، وأنَّ الله الذي نصر الخميني على الشاه سينصر كل خميني على شاهه، وأن رصيد ثورة إيران كل مسلم يقول: لا إله إلا الله (??) .
ولمَّا قامت الحرب العراقية الإيرانيَّة والتي وقفت السعودية فيها إلى جانب العراق لعلمها بحقيقة المشروع الخميني، وقف الإخوان مع الخميني ضدَّ العراق وضدَّ السعودية، بل وضد كل أهل السنة والجماعة، فأصدر التنظيم الدولي للإخوان بيانًا يؤيدون فيه إيران ويطالبون أفراد الجيش العراقي بالقتال إلى جانب عدو بلادهم الذي وصفوه بالإمام المسلم ضد صدام حسين الذي وصفوه بالبعثي الكافر! (??) ، وهذا البيان ليس من أفراد الإخوان بل من الاتحاد الدولي الذي يمثلهم في كل مكان.
ومن هنا فليس العجب أن تعادي السعودية الإخوان الذين يقفون مع عدوها، وليس العجب أن تفتي هيئة كبار العلماء بإرهاب الجماعة؛ بل العجب هو تأخير ذلك، هذا التأخير الذي ينقضي عجبنا منه حين نعلم تؤدة حكام السعودية وعلمائهم على من يبسط لهم العداء إذا كان من المسلمين، وأنهم لا يفقدون الأمن في هدايته واستصلاحه، فإذا بلغ السيل الزبى لم يجدوا بُدَّا من إبداء ما يقتضيها لموقف في حقه شرعيًا وسياسيًا؛ وأيُّ إرهابٍ أكبر من تأييد الإرهابي الأكبر الخميني، والذي نصَّ في كتابه: "الحكومة الإسلامية" على أنَّ مشروعه إسقاط كل الحكومات الإسلامية؟! (??) .
ومِن العدل أن نستثني هنا إخوان سوريا؛ فإنهم لم يقفوا مع الخميني، بل كانوا ضده، وكتب عالمهم الشيخ سعيد حوى رسالة يحذر فيها من الخميني بعنوان: "الخمينية... شذوذ في العقائد، شذوذ في المواقف".
ومِن العدل أيضًا أن ننبه إلى أنَّ: الاتحاد الدولي قبل مساندته لإيران كلَّف لجنة من أساطين العلماء وصلت إلى أنه لا يمكن التقارب مع إيران سياسيًّا ولا عقائديًا؛ ولكن التقرير تمَّ إخفاؤه من قِبَل بعض القيادات الإخوانية، وهذا ما رواه مراقب الإخوان في سوريا عدنان سعد الدين في مذكراته.
فالإخوان يعرفون حقيقة الخميني ودعوته المخالفة لأصول الشريعة، كما يعرفون مستوى العنف والقتل الذي واجه به معارضيه شيعةً وسنةً؛ بل يعرفون من قتلهم الخميني من قادة الإخوان المسلمين الإيرانيين، ودعم الشيوعيين ضدَّ الإخوان المسلمين في الإقليم الكردي الإيراني، وقد روى جزءًا من ذلك القيادي الإخواني وهذا ما والمعادي للسعودية، ومع ذلك بقي مناصرًا لإيران التي قتلت زعماء جماعته ضد السعودية التي آوته شخصيًا وسمحت له بالعمل التِّجاري في طول البلاد وعرضها، وآوت قادة وأفراد جماعته ثلاثين سنة وأكثر، ومنهم من لا يزال في السعودية -وأعني به يوسف ندا- (??) ، وروى ندا كيف قتلت إيران أحمد مفتي زادة -أحد قادة الإخوان في إيران- ثم قتلت جميع أنصاره في البرلمان، ومع ذلك لم تزده معرفته بهذه الجرائم إلا حبًا في إيران والخميني! بل الذين قتلتهم إيران الخميني من الإيرانيين المنتسبين لجماعة الإخوان لأنهم سُنَّة أكثر من الذين أعدمهم جمال عبد الناصر، ومع ذلك تحظى إيران حتى اليوم بحبِّ الإخوان وتأييدهم.
ثم نعود لصدَّام حسين الكافر العلماني البعثي كما وصفه الإخوان، وطلبوا من الجيش العراقي أخذ أسلحتهم والاصطفاف مع الإمام -حسب زعمهم- الخميني لقتاله؛ فإنه حينما اتجهت عداوته للسعودية والكويت وقفوا معه مع أنَّ هدفه استئصال الكويت والسعودية؛ وقد نشرت مجلة المختار الإسلامي (??) بيانًا لمفكري الإخوان جاء فيه: إنَّ احتلال صدام للكويت منكر ولكن الاستعانة بالقوات الأجنبية الكافرة منكرٌ أكبر منه؛ ولذا لا يجوز رد صدام إلا بعمل إسلامي!
وهذا التبرير لنصرتهم صدامًا تبريرٌ باطلٌ جاء لاستثارة الشعوب فقط وتهييجها على حكامها؛ وإلا فإنَّ تقدير المصلحة والمفسدة يتولاه قادة الدول بما يملكونه من أجهزة، ولا تتولاه الجماعات والأفراد الذين لا يملكون شيئًا من ذلك؛ ثمَّ أين الجيوش الإسلامية التي ستتفق على حرب صدام وهي لم تتفق على حرب الصهاينة الذين احتلوا فلسطين من عشرات السنين؟ ولو اعتمدت السعودية عليهم؛ لكانت الكويت تحت يده حتى اليوم، ولو سلمنا جدلًا بأنَّ القوات الإسلامية حضرت بالفعل، فمن أين ستشتري أسلحتها؟ أليس من الدول الكافرة، والتي ستعمل على إطالة أمد الحرب كي تربح ماديًا ويتفانى المسلمون فيما بينهم، فيكونون ضربوا عصفورين بحجر؟ والجماعة تعرف ذلك جيدًا لكنَّ الكيد للسعودية هو الباعث لهم على ذلك لا غير، فجماعة تعاونت مع النِّظام البعثي الكافر كما يصفونه للإجهاز على السعودية، هل يُسْتكثر وصفها بالإرهابية؟!
أم نجد أن هذا الوصف تأخر كثيرًا؟