الفساد (84) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (12) شركات الأدوية من التنافس على الأدوية إلى الصراع على اللقاح (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد تعرض لقاح الأنفلونزا أيضًا هذا العام إلى نقص حاد في كمياته، لعله نتيجة قيود على حركة الطيران والشحن تزامنًا مع أزمة كورونا والتي أثَّرت على الاستيراد والتصدير، وبالتالي: عدم توفره في معظم الشركات التي تبيع الأدوية، وقد كان اللقاح يباع بأربعين جنيهًا، فارتفع سعره عدة مرات حتى بلغ 170 جنيهًا مع عدم توفره، حيث يحصل أصحاب الصيدليات عليه بنظام الكوتة، رغم أنه كان متوفرًا في السنوات السابقة، حيث يعطى مع قرب فصل الشتاء، فيستمر مفعوله لفترة طويلة يقي فيها الجسم من الإنفلونزا خلال شهور الشتاء، وهو يعطى لكل الأعمار، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. ولقاح الإنفلونزا يجدد كل عام؛ نظرًا لقدرة فيروس الإنفلونزا على التحور من عام لآخر (راجع في ذلك مقال: (بالتزامن مع أزمة فيروس كورونا: أسرار الاختفاء الكبير لمصل الأنفلونزا من جميع الصيدليات) - جريدة النبأ - عدد السبت 17 أكتوبر 2020 م: 6) .
مافيا شركات الأدوية العملاقة:
كالعادة تتحول شركات الأدوية من خلال احتكارها لأدوية أو لقاحات لا يمكن الاستغناء عنها إلى مافيا تجني مكاسب خرافية وعلنية مبالغ فيها، وقد فُتحت أمامها أسواق ضخمة، تتمثل في مليارات من البشر يحتاجون إلى هذه الأدوية أو تلك اللقاحات في شتى بقاع الأرض، مستغلة انفرادها بهذا الدواء أو ذاك، ومتعللة بحقوقها الفكرية في إنتاج هذه الأدوية المحتكرة أو تلك اللقاحات.
وبالطبع فتوريد بعض هذه الشركات للقاح مضاد لفيروس كورونا المستجد في هذه الظروف الطارئة تعني من الربح الكثير والكثير، فبعد أن سارعت عدة حكومات غربية غنية وجهات مانحة بتقديم مليارات الدولارات لتغطية الأبحاث اللازمة لتطوير لقاح أو أكثر للتصدي لتفشى انتشار مرض كورونا القاتل في أسرع وقت ممكن؛ خاصة مع تعذر قيام الدول الفقيرة بذلك، وكذلك في ظل تحفظ بعض شركات الأدوية من الإكثار في الإنفاق على هذه الأبحاث وتمويلها ذاتيًّا؛ نظرًا لما منيت به في مرات سابقة، وفي ظروف مماثلة من خسائر نتيجة فشلها في تحقيق المطلوب منها، أو حصولها على هامش ربح ضئيل لا يرضي طموحها؛ فقد سبق وتعرضت بعض شركات منتجة للقاحات سابقة مضادة لوباء (سارس) إلى خسائر بعد انحسار الوباء سريعًا، بخلاف اللقاحات الموسمية: كلقاح إنفلونزا الشتاء الذي يعتبر مصدرًا معتبرًا للدخل للشركات التي تصنعه كل عام؛ خاصة وأن التوصل إلى دواء جديد أو لقاح يحتاج إلى عدة سنوات من جهد متواصل وتجارب كثيرة للتأكد من مدى فاعليته وتأثيره، ثم الاطمئنان التام من الأمان في استعماله.
وقد توقع الكثيرون: أن أي لقاح ضد فيروس كورونا المستجد سيلقى رواجًا كبيرًا؛ نظرًا لشدة انتشار المرض الذي غزا نحو 210 دولة من دول العالم، وأصاب حتى نهاية 2020 م أكثر من 80 مليون شخص، وتسبب في وفاة مليون وثلاثة أرباع مليون مصاب، ومتابعة الفيروس تؤكِّد أنه سيظل ضيفًا ثقيلًا لفترة طويلة قادمة، ولن يزول خطره قريبًا؛ فضلًا عن توقع الحاجة إلى جرعات تنشيطية من اللقاحات لعدة أعوام قادمة على الأقل؛ مما يشجِّع على البذل والمغامرة بالبحث والتطوير للقاح فعَّال في هذه المرة؛ لتوقع الطلب المستمر، بل والمتزايد عليه.
لقد تبرعت حكومات وجهات مانحة لتغطية تكلفة الأبحاث حيث قدمت الحكومات إجمالًا -حسب الإحصائيات النهائية- نحو 5و8 مليار دولار، وتبرع أيضًا أفراد موسرون بنحو 95و1 مليار دولار، بينما شاركت شركات الأدوية نفسها بنحو 38و3 مليار دولار فقط من استثماراتها الخاصة في هذا التمويل.
أسعار متباينة للقاحات:
تباينت الأسعار المعلنة للقاحات المعلن عنها؛ فأعلنت شركة (إسترا - زينكا) أنها ستسوق لقاحها بأربعة دولارات للجرعة الواحدة، حيث إن اللقاح يؤخذ على جرعتين، وهو أقل سعر معلن عنه حتى الآن.
بينما قررت شركة (مودرنا) الأمريكية وشركة (بايونتك) الألمانية، وتشاركهما شركة (فايزر) الأمريكية العملاقة لصناعة المستحضرات الطبية -للاستفادة من قاعدتها الصناعية الواسعة في كل أنحاء العالم- بيع لقاحها بسعر 37 دولار للجرعة الواحدة، وعللوا ذلك بالتكلفة العالية لنقل المنتج في درجة حرارة شديدة الانخفاض، وكذلك الرغبة في تحقيق أرباح تسمح بتوزيع عائد مجز للمساهمين في هذه الشركات، مع إمكانية تخفيض السعر؛ نظرًا للظروف الطارئة الحالية، وتوقع حدوث ذلك حال وجود عدة لقاحات أخرى تقلل من احتكار شركة أو شركتين للمنتج وتجعل سعره طبقًا لآليات العرض والطلب.
بينما متوقع توزيع اللقاح الصيني بسعر 10 دولارات.
وتتوقع بعض شركات الأدوية -وَفْقًا لصحيفة (الجارديان) البريطانية-: أن تبلغ حجم مبيعات سوق لقاح كورونا نحو 25 مليار دولار.
التمسك بالحقوق الفكرية:
حرصت الشركات المنتجة للقاحات حتى الآن حرصًا شديدًا على سرية عملية الإنتاج ذاتها، خاصة فيما يتعلق بتكنولوجيا محاكاة البصمة الوراثية (أر إن إيه) لدفع الجسم البشري لإنتاج الأجسام المضادة للفيروس، وتتذرع الشركات الكبرى في ذلك بحقوق الملكية الفكرية للاحتفاظ بأسرار الإنتاج لنفسها، ويعارض ذلك خبراء قانونيون بارزون: يرون أن هذه الذريعة مقبولة في الظروف العادية، أما في الظروف الطارئة فيتعذر استيعاب ذلك لدواع أخلاقية، إذ دعا البعض إلى اشتراط نقل الخبرة إلى الآخرين عند تقديم هبات وتبرعات إلى الشركات المنتجة، بهدف إلزام هذه الشركات بنقل الخبرة إلى شركات مناظرة لها في العالم، لتمكينها من إنتاج ما يلزم من لقاحات تسد الاحتياجات المحلية والعالمية في مواجهة الوباء في أسرع وقت ممكن.
ويزداد الأمر شراسة في ظل التوظيف السياسي لأزمة كورونا منذ بدايتها، لتتحول القضية من قضية طبية صحية إلى لعبة سياسية يتصارع فيها الكبار ليتحكموا في مصير الآخرين!