الفساد (93) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وهذا يعني أن هيئة الاستثمار هي الجهة المستفيدة من وجود المناطق الحرة بما توفره لها من إيرادات، في حين تفقد وزارة المالية مليارات كانت تحصل على شكل ضرائب ورسوم جمركية.
(ويصل عدد فرص العمل التي توفِّرها المناطق الحرة إلى 194 ألف فرصة عمل، وهو ما يتعدَّى نسبة 1 % من إجمالي عدد المشتغلين في مصر، والبالغ عددهم: 8و26 مليون فرد، وَفْقًا لجهاز التعبئة والإحصاء.
وفيما يخص التصدير من المناطق الحرة، فإنه يسجِّل 4 و5 مليار دولار سنويًّا، بما يتعدَّى 20 % من إجمالي الصادرات المصرية البالغة 8و22 مليار دولار؛ إلا أنها تفتح الباب على مصراعيه للواردات الخارجية (انظر المصدر السابق) .
وقد وافق البرلمان بصفة نهائية في نوفمبر 2020م على السماح بالترخيص لإقامة مشروعات بنظام المناطق الحرة للصناعات القائمة على الغاز الطبيعي كأحد مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها: الأسمدة والبتروكيماويات، وذلك بعد الاكتشافات الأخيرة لحقول الغاز، وأهمها: حقل ظهر، والتي أَدَّت إلى توفر كنيات كبيرة من الغاز الطبيعي تسمح بفتح مجالات جديدة للاستثمار في تلك الصناعات.
وقد لاقت تلك الموافقة ترحيبًا شديدًا من جانب العاملين في هذه الصناعات؛ بسبب الحوافز التي سيحصلون عليها في نظام المناطق الحرة. ويميل رجال الأعمال إلى التحول لنظام المناطق الحرة والتمتع بإعفاءاتها الضريبية والجمركية مع تصدير كامل الإنتاج بدون قيود.
قانون منع الاحتكار:
تأخرت مصر كثيرًا في إصدار قانون لمنع الاحتكار حيث جاء إصداره بضغط أوروبي من خلال القيام بإجراءات الشراكة الأوروبية؛ حيث إن قانون منع الاحتكار وتوابعه كان أحد الشروط الحاكمة لتوقيع اتفاق هذه الشراكة، إلى جانب إصرار صندوق النقد الدولي على وقف حيتان الاحتكار.
وزاد من قوة الدفع لإصدار القانون ظهور احتكارات كبرى في مصر، أشهرها في إنتاج الحديد، ووجود "أحمد عز" إمبراطور الحديد، والذي استطاع أن يمد ملكيته إلى نسية كبرى من صناعة الحديد في مصر في سنوات قليلة، حتى صار هو الواجهة للاحتكار في مصر، وإن كان الاحتكار يتوغل وينتشر في العديد من قطاعات الصناعة والتجارة في مصر.
لقد تأخرت خطوة محاربة الاحتكار كثيرا، بل وبدت الحكومة وكأنها مضطرة اضطرارًا إلى إصدار قانون بمنع الاحتكار وبإنشاء جهاز تنظيم المنافسة، ورغم ذلك فإن القانون -كما يرى البعض- وُلِد ضعيفًا منزوع الأنياب وبلا صلاحيات تقلق المحتكرين.
وقد مني الجهاز بافتقاد القدر الكافي من الموظفين المؤهلين، بل ترك بغير مدير للجهاز لفترة، ولم يهتم الجهاز بتفعيل التعديلات الخاصة بالاندماج والاستحواذات الكبرى بين الشركات إلى جانب افتقاد الجهاز للاهتمام بتدريب كوادره، بل إن الحكومة نفسها تحتكر الخدمات الإستراتيجية، مثل: الكهرباء، والمياه، والمواد البترولية من البنزين إلى السولار، ومن أنبوبة البوتاجاز إلى المازوت والغاز، ولم تعد الحكومة تنظر إلى تقديم هذه الخدمات على أنها واجب عليها تجاه مواطنيها، حتى صارت متهمة باستغلال احتكارها لتلك الخدمات بالتلاعب في التكلفة الحقيقية للخدمات والسلع، بل ومتهمة بالفشل في إدارة تلك الخدمات، وتحميل المواطنين فاتورة فشلها.
أما البنك المركزي فيسيطر محافظه على 50 % من سوق البنوك، فمحافظ البنك المركزي هو رئيس الجمعية العمومية لكل البنوك الحكومية الأربعة الكبرى: (الأهلي - مصر- الإسكندرية - القاهرة)؛ بالإضافة إلى مساهمات عامة في بنوك أخرى من جانب وزارة المالية وهيئة الاستثمار، وعليه؛ فالقرارات المصيرية في أكبر البنوك في يد محافظ البنك المركزي.
أما في قطاع الأعمال فالنسبة الأكبر من ممثليه في المنظمات الأهلية هم مِن رؤساء المنظمات الأهلية، وبعضهم يستحوذ أو يحتكر نسب كبيرة من سوق أعماله، سواء في الصناعة أو الاستيراد أو التوزيع، فقد كان هناك خمس عائلات في سوق (البيزنس) يحتكرون سوق التوكيلات الأمريكية والأوروبية وقت كان البرلمان خاضعًا للحكومة والحزب الوطني المنحل؛ خاصة أن بعضَ رجال الأعمال نجحوا في اختراق مزدوج لكلٍّ مِن الحزب والحكومة، وإن لم ينجحوا بعد ذلك في منع ظهور مكافحة الاحتكار الذي طالما أخَّروا ظهوره. (انظر في ذلك مقال: "قانون اللعب مع الكبار: تأخر إصدار قانون منع الاحتكار 25 عامًا وصدر بضغط أوروبي رغم أنف الجميع" منال لاشين - جريدة الفجر - عدد الخميس 10 سبتمبر 2020 م، ص 5) .
الصندوق السيادي:
تم إنشاء صندوق مصر السيادي وتشكيل مجلس إدارته من نخبة من خبراء مصر في الاقتصاد والاستثمار، (وهو صندوق ثروة سيادية يضم الأصول المملوكة في مصر. الصندوق الجديد تجربة جديدة على الاقتصاد والاستثمار في مصر، ومِن أهم وأخطر مسئولياته الإشراف على أصول الدولة المصرية، وهي كثيرة ومتنوعة، وتشمل مجالات كثيرة. لقد خصصت الدولة للصندوق الجديد 200 مليار جنيه، وهو يعتبر مبلغًا كبيرًا في الظروف الحالية للاقتصاد المصري. مثل هذه الصناديق أقامتها الدولة لكي تكون وعاءً ادخاريًّا للأجيال المقبلة. وقد أقامته دول عربية في سنوات طفرة إنتاج البترول واقتطعت جزءًا من إيراداتها البترولية ليكون من حق الأجيال المقبلة، ومنها السعودية التي أقامت مؤسسة النقد العربي بمبلغ 675 مليار دولار، والإمارات العربية من خلال جهاز (أبو ظبي) للاستثمار بمبلغ 773 مليار دولار وكذلك الكويت)، (إن صندوق مصر السيادي سوف يتحمل مسئولية إدارة الأصول المصرية، وهي متنوعة، والكثير منها تعرض للإهمال سنوات طويلة) (راجع مقال: "الصندوق السيادي وأصول مصر" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام عدد الجمعة 31 مايو 2019 م، ص 13 بتصرفٍ) .