شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نقد الكهنوت الصوفي (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ثم قال: "وقد قال الجنيد -رضي الله تعالى عنه-: سبق في علم الله القديم ألا يدخل أحد الحضرة إلا ‏على يد عبدٍ مِن عباده. وقال ‏القطب أبو العباس أحمد المرسي -رضي الله عنه-: ما ‏صارت الأبدال أبدالًا إلا بمجالسة أمثالنا!".‏

‏ثم قال: "وقال "العارف الشعراني" في "مدارج السالكين إلى رسوم طريق العارفين": "اعلم أيها ‏المريد -وفقنا الله وإياك لمرضاته-: ‏أن مَن لم يعرف آباءه وأجداده في الطريق؛ فهو أعمى، ‏وربما انتسَب إلى غير أبيه، فيدخل في حديث: "لعن الله مَن انتسب ‏إلى ‏غير أبيه"، ومرادنا بمعرفة الآباء، محكمة الاقتداء بهم في الأخلاق الشرعية، وقال ‏سيدي عمر بن الفارض -رضي الله عنه-: ‏

نسب أقرب في شرع الهوى ‏ بيـنـنا مِـن نـسـبٍ من أبوي"‏

وفي صحيح مسلم: ( مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ ‏مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا )، والحديث ‏شَمَلَ -بطريق الإشارة- أدعياء الطريق كلهم.‏"

إذن فمنهج التجريب الصوفي انتهى بنا إلى كهنوتٍ يشرِّع فيه مَن حاز رُتْبَة الولاية، ويتبعه المريد مستسلمًا كالميت بين يدي ‏المغسِّل!

هذا كلامهم الصريح المدوَّن المؤيَّد بالنقول، يكتبونه ويطبعونه، ويدرِّسونه؛ فإذا ‏عُوتِبوا تأولوه تأويلًا متعسفًا يُطَمْئِنون به القلقين، ويسكِّتون ‏به المُنْكِرين، مع بقاءِ أصلِ الكلام -كما هو- مدوَّنًا متداولًا يمثِّل مرجعية ثابتة!

فلو لم تكن هذه تَقِيَّة؛ فماذا تكون التَّقِيَّة؟!

والصوفية ينظِّرون للتَّقِيَّة بجلاءٍ ووضوحٍ -كما سنبين في الفقرة التالية-.

الصوفية والتَّقِيَّة:

ذكر الشيخ السعيدي في مقالة: (السلفية والصوفية: نصحٌ بعلمٍ، وحكمٌ بعدلٍ ‎ ‏) نماذج لمواطن صَرَّح فيها أعلام الصوفية بالعمل ‏بالتقية، وهي: روى الكلاباذي (ت: 380هـ) في كتاب: "التعرف لمذهب أهل التصوف" عن الجُنيد أنه ‏قال للشبلي: "نحن ‏حبَّرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب، فجئتَ أنتَ ‏فأظهرته على رؤوس الملأ. فقال: أنا أقول وأنا أسمع، فهل في ‏الدارين ‏غيري؟!" (التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 172) .‏

ونقل الشعراني (ت: 973هـ) عن الجنيد: "كان يستر كلام أهل الطريق عمَّن ليس منهم، ‏وكان يستتر بالفقه والإفتاء على ‏مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلَّم في علوم القوم أغلق ‏باب داره، وجعل مفتاحه تحت وركه" (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد ‏الأكابر، ص ‏‏9302) . ‏

ونقل الشعراني أيضًا عن الشاذلي قوله: "امْتَنَعَتْ عنِّي الرؤيا لرسول الله -صلى الله ‏عليه وسلم-، ثم رأيته، فقلت: يا رسول ‏الله: ما ذنبي؟ فقال: إنك لستَ بأهل لرؤيتنا، لأنك ‏تُطلِع الناس على أسرارنا" (الطبقات الكبرى للشعراني، 2 / 75) . ‏

المراجعات بدل مِن التَّقِيَّة:‏

تعرَّضت الصوفية عَبْر تاريخها لكثيرٍ مِن عمليات النقد الذاتي والمراجعات.

فالغزالي ‏أوقف تيار الباطنية الذي كاد أن يلتهم ‏الصوفية. ‏

والإمام ابن حجر تَصَدَّى لتيار التصوف في الأزهر، وأوذي في سبيل ذلك.

قال الشعراني في طبقاته: "ومنهم: سيدي الشيخ محمد بن أحمد الفرغل -رضي الله تعالى عنه-… مِن الرجال ‏المتمكنين أصحاب التصريف!

ومِن كراماته: ... ‎ ومرَّ عليه شيخ الإسلام ابن حجر -رضي الله عنه- بمصر يومًا حين جاء في شفاعة لأولاد عمر، فقال في سرِّه ‏: ما اتَّخذ الله مِن وليٍّ جاهل، ولو اتَّخذه لعلَّمه -على وجه الإنكار عليه-، فقال له: قف يا قاضي، فوقف فمسكه ‏وصار يضربه، ويصفعه على وجهه! ويقول: بل اتَّخذني وعلَّمني!".‏

هكذا يرى الصوفية جزاء الإمام الحافظ ابن حجر، إذا حَدَّث نفسه بنقد لواحدٍ منهم، وسواء صَحَّت القصة أم لا؛ فهي إدانة ‏شنيعة لهم؛ لكونهم هم مَن يرويها، وهي تعبِّر عن مدى معاناة ابن حجر معهم، وسوف نقف مع هذه القصة في مقالةٍ قادمةٍ -بإذن الله-.‏

وألَّف البقاعي تلميذ الحافظ ابن حجر: ‏‏"تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي".‏

وفى العصر الحديث تأثَّر "السنوسي" بشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فأنشأ حركة صوفية سُنِّيَّة ‏بعيدة عن الخرافة، وجاهد الاحتلال ‏بدلًا من موادعة الاحتلال الذي كان مقترنًا باسم: "‏الصوفية"، وعن بعض أفراد هذه الحركة أخذ الشيخ "محمد عبده" تعاليمه ‏الأولى كما ذكر "أحمد أمين" ‏في كتاب: "زعماء الإصلاح في العصر الحديث"، وبهذه الروح قاد عملية إصلاح ‏الأزهر التي ما ‏زال الأزهر يجني ثمارها إلى الآن. ‏

وفي هذه الآونة كثيرًا ما سمعنا مِن رموزٍ صوفيةٍ: إنكار منهج التصوف الفلسفي، وإنكار ما يُفعَل عند القبور مِن الطواف بها ‏والتبرك بحَدِيدِها؛ فضلًا عن طلب الحاجات ‏من أصحابها، وإن كان هذا مع قولهم بمشروعية الصلاة في المساجد المقامة عليها؛ ‏إلا ‏أنها كانت خطوة على الطريق.

فهل نأمل أن يكون طريق المراجعات بديلًا عن التقية والطمأنة وبقاء تربية الأتباع ‏على ‏المعاني الفاسدة والتي تضر الأمة؟! لا سيما في ظلِّ ما نلمسه مِن الارتباط الطردي بين انتشار ‏الخرافة، وانتشار العالمانية والإلحاد مِن الجانب الآخر.

هل لهذا المنهج المُخْتَرَع مِن أدلةٍ نقليةٍ؟

الأصل في الطُّرُق الصوفية أنها تترفع عن الفقه، وتتعالى على الدليل، ويقولون لأهل السُّنَّة: أنتم أخذتم دينكم ميتًا عن ميتٍ، ونحن أَخَذْنَا دِينَنَا عن الحي الذي لا يموت!"، كما قال إِبْرَاهِيم سبتية: "حضرت مجلس أبي يَزِيد، والناس يقولون: فلان لَقِيَ فلانًا، وأخذ مِن علمه وكتب مِنْهُ الكثير، وفُلَان لَقِيَ فُلَانًا، فَقَالَ أَبُو يَزِيد: مساكين أخذوا علمهم ‌ميتًا ‌عَنْ ‌ميتٍ، وأخذنا علمنا عَنِ الحي الذي لا يموت!" (ذخائر الأعلاق لابن عربي، ص 153، الجواهر والدرر للشعراني بهامش الإبريز، ص 268) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية