شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (101) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (3)‏

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

(وشبيه بهذه الآيات الكريمات في بيان الأدلة على وحدانية الله -تعالى-، وعلى نفاذ قدرته ومشيئته: قوله -سبحانه-: ( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ . وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ . لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ) (يس:33-35) . والمقصود بالآية هنا: العلامة والبرهان والدليل) (راجع المصدر السابق، ص31-32) .

(ومن الآيات الكريمة التي ساقها القرآن الكريم كدليل على وحدانية الله وقدرته: قوله -تعالى-: ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (الرعد:4) .

(والمعنى: أن مِن مظاهر قدرة الله، ومن الأدلة على وحدانيته: أنه جعل في الأرض بقاعًا كثيرة متجاورة، ومع ذلك فهي مختلفة في أوصافها وفي طبيعتها، وفيها أيضًا بساتين كثيرة من أعناب، ومن كلِّ نوع من الحبوب، وفيها كذلك نخيل يجمعها أصل واحد؛ فهي صنوان، ونخيل أخرى لا يجمعها أصل واحد، فهي غير صنوان، والكل يسقى بماءٍ واحدٍ، ومع ذلك؛ فإننا لعظيم قدرتنا وإحساننا نفضِّل بعضها على بعض في اختلاف الطعوم؛ إن في ذلك الذي فعلناه لعِبَر عظيمة لقوم يستعملون عقولهم في التفكير السليم، وفي التأمل النافع) (المصدر السابق، ص34-35 بتصرفٍ) .

زكاة الزروع تكفل حد أدنى من الغذاء للجميع:

من أهم التوجهات التي وجهها القرآن الكريم إلى أتباعه وهو يحدثهم عن الزروع والثمار: أمره لهم بأداء حق الله *عز وجل- فيها عند حصادها؛ نرى ذلك في قوله -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأنعام :141) ، فإعطاء كل زارع جزءًا من زرعه -بعد بلوغ النصاب- صورة رائعة من التكافل الاجتماعي، ومنح الفقير حدًّا أدنى من الطعام الذي يشبعه، فتكفل الزراعة في الإسلام إن قام الزراع بحق زكاتها -إلى جانب باقي أنواع الزكوات والصدقات- كفاية الفقراء في المجتمع المسلم؛ لذا قيل: وجود فقراء في المجتمع دليل على تقصيرٍ من الأغنياء في إخراج ما عليهم من الزكاة.

وعن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ، وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ ) (رواه مسلم) . والغيم: هو المطر.

قال أبو عبيد: هو ما جَرَى من المياه في الأنهار، وهو سيل دون السيل الكبير.

وقال ابن السكيت: هو الماء الجاري على الأرض.

والعشور جمع عشر، أي: إخراج عشر الزرع زكاة للفقراء. والسانية: هي البعير الذي يستقى به الماء من البئر، ويقال له: الناضح.

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ ) (رواه البخاري) . وما سقت السماء: المراد بذلك المطر. والمراد بالعيون: الأنهار الجارية التي يستقى منها من دون اغترافٍ بآلة، بل تساح إساحة. وعثريا: الذي يشرب بعروقه من غير سقي، زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى: وهو المستنقع في بركة ونحوها، يصب إليه ماء المطر في سواق تسقى إليه. قال: واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي يجري فيها الماء؛ لأن الماشي يتعثر فيها. ومثله الذي يشرب من الأنهار بغير مؤونة، أو يشرب بعروقه، كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبًا من وجهها، فتصل إليه عروق -أي جذور- الشجر فيستغني عن السقي. والنضح: أي: بالسانية، أي: البعير الذي يستقى به الماء كما ذكرنا من قبل.

قال الشوكاني -رحمه الله-: "والحديثان يدلان على أنه يجب العشر فيما سقي بماء السماء والأنهار ونحوهما، مما ليس فيه مؤونة كثيرة، ونصف العشر فيما يقي بالنواضح ونحوها مما فيه مؤونة كثيرة" (راجع في ذلك (نيل الأوطار للشوكاني، ج 4 باب زكاة الزرع والثمار) .

ويدخل في الإطعام الواجب للفقير: إطعامه من الحبوب من غالب قوت أهل البلد مما يكال ويدخر في زكاة الفطر من رمضان، وهذا الإطعام طهرة للصائم مما وقع منه في رمضان، وطعمة للفقراء والمساكين تغنيهم عن السؤال في عيد الفطر، وهو يقابل إعطاء لحم الأضاحي للفقراء في عيد الأضحى، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ" رواه الجماعة، "وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ إِلَّا عَامًا وَاحِدًا أَعْوَزَ التَّمْرُ، فَأَعْطَى الشَّعِيرَ".

وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" (متفق عليه) . وفي رواية: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ" (متفق عليه) . والمراد بصاعٍ من طعام أي: صاع من الحنطة، فقد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق، حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام فُهِم منه سوق القمح (راجع: نيل الأوطار للشوكاني، باب زكاة الفطر).

الزراعة في الدستور المصري:

الصفحة السابقة الصفحة التالية