الفساد (102) أين دور الزراعة في الاقتصاد المصري؟ (4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
بدأت مساحات زراعة القطن في الزيادة التدريجية من عهد "محمد علي"، حتى بلغت نحو 2 مليون فدان في فترة الثمانينيات من القرن العشرين، ثم أخذت في الانخفاض التدريجي منذ عام 1994، بعد إيقاف التسويق التعاوني وظهور القانون رقم 210 لسنة 1994، وهو قانون التجارة الحرة للقطن المصري، والذي انتهى معه التسويق التعاوني ورفعت معه الحكومة يد العون عنه، وحل محله التسويق الحر، والذي نجم عليه العديد من المشاكل التي أخذت تتراكم عامًا بعد عام فتراجعت معها المساحات المزروعة من القطن حتى وصلت عام 2020 إلى 153 ألف فدان فقط موزعة على 7 أصناف تجارية تزرع في 14 محافظة، هي المحافظات التي يزرع فيها القطن.
ففي ظل التسويق الحر يتولى الفلاح تسويق ما زرعه من القطن بنفسه فيقع فريسة للتجار، ولا يحصل على الثمن الحقيقي لمحصوله، فيبيعه بسعر منخفض، وفي الوقت الذي يعاني فيه الفلاح من تدني سعر المحصول وصعوبة تسويقه يعاني الفلاح من عدم توفير التقاوي (بذور القطن) بالشكل الذي يلبي احتياجاته لزراعة مساحات أكبر؛ إذ لم تعد توفرها الحكومة كما كانت من قبل، بل إنها تكون مخزنة من العام الماضي مما يؤثِّر على إنتاجها، كما أن المزارعين يفتقدون الرعاية والإرشاد والمتابعة في مواجهة المشكلات التي تواجههم عند زراعة القطن كما كان الأمر من قبل، والتي مِن أهمها: ارتفاع مستلزمات الإنتاج ورش المحصول بالسماد وغياب الإرشاد الزراعي؛ هذا في الوقت الذي يعاني الريف من نقص العمالة خاصة مع هروب العمالة للعمل خارج مصر، وهجر الزراعة بعد الانفتاح الاقتصادي، مما يؤثِّر على جني القطن لقلة العمالة مما يتسبب في ارتفاع تكلفة جني القطن بذلك في ظلِّ عدم توفير الحكومة للميكنة الزراعية اللازمة لجني القطن لتعويض نقص العمالة.
وهكذا تحولت زراعة القطن من زراعة مربحة يقبل عليها الكثير من الفلاحين والمزارعين ويفرحون بها، حيث العائد منها كان مجزيًا، يستندون إليه في زواج أبنائهم أو كسوتهم والإنفاق عليهم، إلى زراعة تكبدهم خسائر؛ بسبب تدني العائد من المحصول وارتفاع تكاليف إنتاجه وخدمته، وارتفاع تكلفة العمالة وخلافه، إلى جانب صعوبة تسويقه، وبلغت المعاناة لدى بعضهم أن هناك قطنًا من العام الماضي عجز مزارعون عن توريده حتى الآن، ومنهم مَن يعاني مِن تباطؤ التجار في دفع مستحقات بيع المحصول لديهم.
ومما يزيد المشكلة تفاقمًا: أن ماكينات النسيج الموجودة في مدينة المحلة الكبرى حاليًا هي ماكينات مخصصة لصناعة القطن قصير التيلة فقط؛ مما يستلزم استيراد القطن قصير التيلة من الخارج، مع تصدير القطن طويل التيلة الذي يزرع في مصر للخارج، حيث يصدر هذا القطن المصري للخارج في صورته الخام. وجانب كبير من حل الأزمة يكمن في تقديم الدولة الدعم لزراعة القطن، ومعاونة الفلاح في تسويقه، وتطوير ماكينات النسيج للعمل على القطن طويل التيلة مرة أخرى؛ مما يقلل من استيراد القطن قصير التيلة من الخارج، ويمنع تصدير القطن طويل التيلة وهو خام، بل يتم تصنيعه في مصر وتصديره في صورة غزول أو منسوجات للاستفادة من القيمة المضافة بتصنيعه بدلًا من بيعه خامًا.
خطوات على الدرب:
بدأت الحكومة المصرية حاليًا في محاولة إعادة زراعة القطن وصناعة الغزل إلى سابق عهدها بعدة خطوات في الاتجاه الصحيح، ولكن ما زال الطريق طويلًا لإصلاح ما فسد، واستعادة ما فات.
ومن الجهود التي اتخذتها الحكومة للنهوض بالقطن المصري:
أعلنت وزارة قطاع الأعمال في بيانٍ لها: أن هناك خطة شاملة تقودها الوزارة لتطوير وتحديث صناعات القطن والغزل من خلال إعادة هيكلة وتطوير شركات الحلج والغزل والنسيج، بتكلفة استثمارية تبلغ 21 مليار جنيه لوقف نزيف خسائر الغزل والنسيج وتحويلها إلى ربحية، وتعظيم القيمة المضافة للقطن المصري وإعادته للمنافسة العالمية من جديد خاصة في ظل ما يتميز به.
ويشمل التطوير السلسلة الصناعية بداية من مرحلة تطوير محالج القطن وهي الأهم، حيث يشمل التطوير توريد ماكينات حديثة، وأعمال إنشائية لمبانٍ جديدة تتمشى مع متطلبات الآلات الحديثة بتكلفة تقديرية تبلغ 400 مليون جنيه، مع التنسيق بين وزارتي: الزراعة والتجارة والصناعة؛ لتطبيق منظومة جديدة لتجارة القطن.
ومما يعزز مِن دعم هذه المنظمة: مشروع (جسور) الذي أطلقته الوزارة؛ لتعزيز التجارة الخارجية بين مصر وإفريقيا (انظر في ذلك: مقال: "خطة لاستعادة عرش القطن" هاني البنا - مجلة الأهرام الزراعي - عدد مارس 2021م، ص 46) .
وضع وزارة الزراعة خطة إستراتيجية طموحة للوصول بمساحة القطن المزروعة في مصر إلى 450 ألف فدان بحلول عام 2025 والوصول بها إلى 700 - 800 ألف فدان بحلول عام 2030، للنهوض بزراعة القطن وصناعة المنسوجات إلى جانب حل مشكلة نقص إنتاجية الزيوت بمصر، حيث ننتج نحو 3 % من إجمالي استهلاك الزيوت.
الدفع بعددٍ مِن الأصناف الجديدة ذات الإنتاجية المرتفعة من القطن، ومِن أهمها:
صنف جيزة 94: وهو مرتفع الإنتاجية، مبكر في نضجه، موفر في مياه الري، له معدل تصافي ووزن لوزة عال، ويزرع في نحو 70 % من إجمالي المساحة المزروعة قطن في مصر.
صنف جيزة 95: وهو طويل التيلة، يزرع في الوجه القبلي بإنتاجية مرتفعة، مبكر النضج، موفر جدًّا لمياه الري.
صنف جيزة 96: وهو فائق الطول يزرع في فوة ومطوبس في كفر الشيخ، غزله فائق النعومة، محصوله مرتفع.
صنف جيزة 97: من أحدث الأصناف، يعد من الأصناف الطويلة في وجه بحري، نضجه مبكر، موفر لمياه الري، يمكن زراعته بعد المحاصيل الشتوية دون أن يؤثر على الإنتاجية، وهو يزرع لأول مرة على النطاق التجاري هذا العام (راجع في ذلك: الأهرام الزراعي، ملف: "عزوف المزارعين عن زراعة القطن: أسباب وحلول" منى عبد العزيز وفاروق الحاج - عدد مارس 2021م، ص 6- 9) .
صدور التوجيهات الرئاسية بالتوسع في المدن النسيجية، ومنها: "مدينة النسيج" التي ستُقَام بمحافظة المنيا، ومدينة السادات، إلى جانب المصانع التي افتتحها الرئيس في منطقة الروبيكي، والتي بها مصانع غزل رفيع.