شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (4)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

قائد الجبهة الجنوبية الإسرائيلي الجنرال (جونين) لما جاءته المعلومات التي تؤكِّد أن المصريين سيشنون الحرب مع نهاية نهار السادس من أكتوبر أراد أن يفاجئ القوات المصرية، فقرر عدم اتخاذ أي إجراءات على الجبهة تثير المصريين أو توحي لهم بأن إسرائيل ستقوم بضربة وقائية، ثم في الساعة الرابعة عصرًا تكون المفاجأة بأن تتحرك الدبابات الإسرائيلية لاحتلال مصاطب الساتر الترابي على الضفة الشرقية لضرب ومنع أي اقتحام من القوات المصرية للقناة، وبينما كان يؤكد أوامره من جديد لقادته في الثانية ظهرًا كان ردهم عليه أن المصريين يهاجموننا.

فوجئ العدو باستخدام الصواريخ المضادة للدبابات التي يحملها كتفًا أفراد المشاة المصريين، والتي تدربوا عليها تدريبًا جيدًا، فكانوا يتسابقون فيما بينهم في اصطياد دبابات العدو بها، فكانوا بمثابة صدمة عنيفة لدبابات العدو لم تكن في حسبانهم.

وذكر الجنرال (إيلي زعيرا) مدير الاستخبارات الإسرائيلية في مذكراته: أن النقاط القوية الأولى التي سقطت كان بها 450 مقاتلًا، انضم إليهم 55 فردًا من أطقم الدبابات التي تدمرت دباباتهم، وأن هؤلاء قُتِل منهم يوم 6 أكتوبر 126، وسقط منهم في الأسر 162، بينما نجا منهم 153 فردًا.

أما الدبابات: فمِن 280 دبابة إسرائيلية كانت موجودة لدى مجموعة عمليات سيناء يوم السادس من أكتوبر كان المتبقي منها صباح اليوم التالي 110 دبابة، وكانت معظم هذه الخسائر الفادحة في الدبابات في هذا اليوم نتيجة مواجهات في عمليات صغيرة قام بها أفراد المشاة المصريين وليست نتيجة معارك دبابات.

وذكر الجنرال (ديفيد اليعاذر) رئيس الأركان في مذكراته عن حرب أكتوبر: أن القوات الإسرائيلية لم تنجح في القيام بهجوم مضاد ناجح ومؤثِّر خلال يوم السبت السادس من أكتوبر لوقف تدفق المعدات الثقيلة إلى الضفة الشرقية. وذكر أن الإشارات أكَّدت عبور 30 ألف من الجنود المصريين للقناة في هذا اليوم، وأصبحوا يقاتلون على الضفة الشرقية للقناة، وظلت المعدات والأفراد تتدفق.

ومع الهدوء النسبي لنيران ضربة التمهيد المدفعي توالى ظهور الطيران الإسرائيلي، وكان متوقعًا أن توجِّه القوات الجوية الإسرائيلية جهودها لمعاونة القوات البرية الإسرائيلية، ومحاولة إيقاف الهجوم المصري وهو في مراحله الأولى، وهو ما حَدَث؛ إذ دفعت إسرائيل بقواتها الجوية في المعركة بمعدل عال وكثافة كبيرة خلال ساعات نهار 6 أكتوبر والنصف الأول من الليل، في مجهود ضخم لإيقاف الهجوم، وكان الرد من القوات الجوية الإسرائيلية سريعًا رغم عنصر المفاجأة للعدو؛ لأن القوات الجوية الإسرائيلية كانت جاهزة تمامًا للقتال قبل بدء المعركة؛ إذ كان هناك قرار مسبق بتعبئة القوات الجوية بعد رصد التحركات المصرية على الجبهة، بل كان هناك اقتراح من رئيس الأركان الإسرائيلي يوم الجمعة 5 أكتوبر بالقيام بضربة جوية إسرائيلية استباقية وقائية، ولكن الاقتراح لم تقره الحكومة الإسرائيلية في اجتماعها.

وقد تم رصد قيام العدو بتعبئة قواته الجوية واستدعاء احتياطيه من الطيارين 48 ساعة قبل بدء الحرب، وتم رصد رفع درجة استعداد القوات الجوية الإسرائيلية صباح يوم 6 أكتوبر، ومعلوم أن كل هجمة جوية تشارك فيها عناصر لكلٍّ منها مهمة محددة، فهناك المجموعة الضاربة المكلفة بمهمة القصف الجوي الفعلي، وهي التي تقتحم مناطق عمليات صواريخ الدفاع الجوي، وهي نحو ربع قوة الهجمة، وهناك مجموعة حماية ومعاونة، وغالبًا تعمل خارج مناطق المظلات الجوية، أي: خارج مناطق تدمير صواريخ الدفاع الجوي، ومجموعة إخماد صواريخ الدفاع الجوي، وهي تعمل خارج مناطق صواريخ الدفاع الجوي ومسلحة بصواريخ (جو - أرض)، وقد تصحب الهجمة الجوية مجموعة المطارات مكلفة بمهاجمة المطارات العسكرية لقفلها ومنع خروج الطائرات منها.

وأبرز ما قام به العدو يوم 6 أكتوبر: هجمته المركزة على القطاع الشمالي من الجبهة بقوة 44 طلعة لكل طائرة، وهجمته المركزة على القطاع الأوسط بقوة 32 طلعة لكل طائرة، وكان من المتوقع هدوء النشاط الجوي للعدو ليلًا، ولكن العدو رغبة في حسم المعركة لصالحه استخدم قواته الجوية بكثرة، فقام بنحو 500 طلعة طائرة في هيئة طائرات فردية أو زوجية في النصف الأول من ليلة القتال الأولى، وهو معدل أكثر من العالي، ومع ذلك وطوال اليوم والليل لم ينجح طيران العدو في تحقيق أهدافه، والسبب في ذلك: الدور الرائع الذي قام به حائط صواريخ الدفاع الجوي المصري، أيقونة حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر، والذي أذهل أداؤه العدو الإسرائيلي، إلى جانب تصدي المقاتلات الاعتراضية المصرية بكفاءة لطائرات العدو.

وكانت خطة الإعداد المصرية للمعركة متضمنة تواجد وحدات صواريخ الفرقة الثامنة (دفاع جوي) على مسافة 6 إلى 8 كم من القناة لتوفير الحماية للقوات البرية أثناء قتالها، على أن تنتقل إلى مواقع جديدة غرب القناة بعد إنشاء الكباري والسيطرة على الضفة الشرقية للقناة لتعميق الوقاية للقوات المصرية في الشرق.

ويجمل رئيس الأركان في اعترافاته عن يوم السادس من أكتوبر بأن القتال كان ضاريًا، وأن الدلائل تشير إلى القوات الإسرائيلية تواجه خطة دقيقة ومحكمة لا يعرف مداها أو أبعادها، وقد سقطت كل حسابات إسرائيل العسكرية التي بنت عليها خططها حال الحرب مع المصريين.

دوليًّا فوجئ العالمُ بقيام الحرب في وقت كانت أغلب دول العالم على قناعة تامة بعدم قدرة العرب على خوض أي حرب شاملة ضد إسرائيل، وأنهم مستسلمون للأمر الواقع أنه لا حرب ولا سلم، في مواجهة جيش إسرائيلي لا يقهر، وأن عبور القناة والتغلب على حصون خط بارليف شبه مستحيل، أي: أن العالم يبارك الوضع الجديد بعد حرب يونيو 1967 أن قناة السويس هي حدود إسرائيل الجنوبية مع مصر، وكانت الحرب مفاجأة معها اندهاش مما يفعله العرب، وفيها إشفاق على ما سيحدث لهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية