حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر كأنها تراها (10)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
- كانت هناك وجهة نظر ترى أنه يجب استغلال أوضاع العدو السيئة، والقيام وفي سرعة بتطوير الهجوم المصري لمواصلة التقدم إلى خط المضايق في العمق، وبالتالي عدم القيام بوقفة تعبوية في 9 أكتوبر أو بعده؛ إذ إن ذلك التوقف يعني تحول دفة المبادأة إلى العدو، وأنه حال تطوير الهجوم فلا خوف من تأثير طيران العدو على قواتنا التي ستتعدى بالتالي مظلة حماية صواريخ دفاعنا الجوي؛ إذ إن تأثير الطيران الإسرائيلي سيكون محدودًا؛ نظرًا لتقارب وتلاحم القوات المصرية والإسرائيلية في مسرح العمليات، وكان الفريق الجمسي متبنيًا لهذه الوجهة، وناقش فيها المشير أحمد إسماعيل، ولكنه وَجَد منه الحذر الشديد.
- وكانت هناك وجهة نظر مخالفة تمامًا ترى وجوب القيام بالوقفة التعبوية بعد نجاح الهدف الإستراتيجي للحرب؛ لأمورٍ، منها: تفوق القوات الجوية للعدو، والذي يمثِّل خطرًا كبيرًا على قواتنا حال تقدمها خارج غطاء صواريخ دفاعنا الجوي؛ خاصة وأن أعداد الصواريخ المتحركة (سام 6) لقواتنا قليلة، لا تكفي لتغطية قواتنا لو تقدَّمت خارج مظلة حائط الصواريخ، وبالتالي فتطوير الهجوم يجعل قواتنا فريسة لطيران العدو.
كما أن هذا التطوير سيتطلب استهلاك جزء من قواتنا الاحتياطية في غرب القناة في حين أن هناك لا محالة معركة متوقعة خلال أيام بعد نجاح إسرائيل في تثبيت القوات السورية في الجولان؛ وعليه فالمتوقع أن يصب العدو كل تركيزه على سيناء، وهذا يتطلب الاحتفاظ بكل قواتنا لمواجهة ذلك بخطة دفاعية قوية لكسر الهجوم الإسرائيلي المتوقع وتدميره مثلما حدث في صد الهجوم المضاد للعدو في 8 أكتوبر وتدميره، وبعدها يمكن النظر في التقدم حال تقهقر العدو للاستيلاء على خط المضايق، وهذه الوجهة كان يتبناها الفريق الشاذلي.
وكان الظاهر وقتها: أن العمليات العسكرية على الجبهة السورية قد هدأت، وأن زيادة العمليات العسكرية على الجبهة المصرية لن يخفف الضغط على الجبهة السورية أو يكون له مردود مؤثِّر عليها؛ إذ إن هناك انفصالًا بالفعل بين الجبهتين؛ فللعدو ثمانية لواءات مدرعة في سيناء؛ فليس هناك حاجة إلى سحب قوات من الجبهة السورية، أي: أن ما يحدث في سيناء صار لا يؤثر على ما وصلت إليه الأوضاع السورية في الجولان.
رفض تطوير الهجوم المصري في 9 و10 أكتوبر:
في حوار أجرته جريدة الأهرام في 13 نوفمبر 1973م مع المشير أحمد إسماعيل، ذكر المشير أن تطوير الهجوم ليس مجرد استغلال لفرصة مهما كانت؛ إذ إن له حسابات مركبة تتطلب حماية القوات ووضعها في ظروف مهيأة للقتال؛ لذا كان عليه ألا يغامر، كما أنه كان عليه الالتزام بالتخطيط المسبق الذي كان يتضمن القيام بوقفة تعبوية، وإعادة تقدير الموقف على ضوء ردود فعل قوات العدو، مع التأهب للخطوة التالية، علمًا بأن الوقفة التعبوية ليست فترة سكوت، لكنها فترة يكون فيها التصدي لأي هجمات مضادة للعدو.
أما بخصوص استئناف الهجوم الذي تم بعد ذلك في يوم 14 أكتوبر؛ فقد كان أمرًا اضطراريًّا تم بأسرع وقت، وكان هدفه تخفيف الضغط على الجبهة السورية (راجع في ذلك مقالة الكاتب إبراهيم حجازي: "عندما ظنوا أن عملية (القلب الشجاع) تنهي الحرب"، جريدة الأهرام عدد الجمعة 4 ديسمبر 2020 م، ص 15) .
قال الكاتب إبراهيم حجازي: (تبقى ملاحظة لافتة للنظر، وهي: أن في هذا الوقت تحديدًا سنحت فرصة ثمينة للقيادة السياسية لإيقاف النيران، وقواتنا المسلحة في وضع مناسب تمامًا في سيناء، وأن وقف إطلاق النيران سوف يحقق توقف القوات الإسرائيلية على الجبهة السورية فيما لو كان القتال مستمرًا، وبذلك يتحقق الهدف الذي من أجله صدر قرار تطوير الهجوم) (المصدر السابق) .
تطوير الهجوم في 14 أكتوبر كان قرارًا سياسيًّا:
- في يوم 11 أكتوبر جاء مندوب من القيادة السورية إلى القاهرة لشرح الموقف على الجبهة السورية، وطلب المندوب السوري تنشيط العمليات على جبهة سيناء؛ لخفض الضغط الإسرائيلي على الجولان، وفي نفس الوقت تلقَّى الرئيس "السادات" العديد من الاتصالات من قادة عرب وقادة دول صديقة من أجل مساعدة سوريا، وقد اضطر السادات تحت هذه الضغوط لاتخاذ قرار سياسي بإنهاء الوقفة التعبوية واستئناف الهجوم، وهو القرار الذي اختلفت حوله وجهات النظر كما سبق في 9 و10 أكتوبر.
- في ليلة 12 أكتوبر استقبل الرئيس السادات السفير السوفيتي حاملًا رسالة من قادة الكرملين يقترحون فيها -بعد موافقة مصر- أن تبادر يوغسلافيا باعتبارها إحدى دول عدم الانحياز بتقديم مشروع لمجلس الأمن بوقف إطلاق النار في سيناء على الخطوط الحالية؛ خاصة وأن إنجلترا لديها أيضًا مبادرة تقديم مشروع بذلك، وهو ما رفضه السادات.
- بعد ظهر 12 أكتوبر صدرت التعليمات إلى قيادات الجيش المصري بالاستعداد لتطوير الهجوم صباح 13 أكتوبر، وفي مساء نفس اليوم تم عقد مؤتمر في القيادة العامة لمناقشة التغلب على بعض المشكلات التي ظهرت، وانتهى الأمر بتحديد الساعة السادسة والنصف صباح 14 أكتوبر لاستئناف الهجوم، وعليه بدأت إجراءات التحضير والتخطيط للهجوم.
الموقف في إسرائيل:
- كان استيلاء القوات المصرية على خط بارليف والتقدم 15 كم داخل سيناء يعني سيطرة مصر على القناة، وأنه في هذه الحالة فلا يوجد خط صالح للدفاع أمام العدو إلا عند المضايق، في نفس الوقت كان تثبيت أوضاع العمليات الحربية على جبهة الجولان لصالح القوات الإسرائيلية دافعًا لتعجل القيادات الإسرائيلية لإحداث تغيير للأوضاع في سيناء، فكان تركيز العدو على زيادة التخطيط تجاه الجبهة المصرية.
