شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التراث والتجديد من منظور السلفية (1)

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

والوحي ليس المقصود به نصوصه فحسب، بل مقرراته القطعية سندًا ودلالة، حتى وإن تبدت في صياغات بشرية قرَّبها علماء الإسلام في زمن ما للمستوى الفكري والأسلوبي لأهل ذلك الزمن؛ فهذه المقررات لا تأخذ حكم التراث الذي هو صنعة بشرية) (المرجع السابق، ص 323) .

ضرورة اتباع كتاب الله والأخذ بشرعه:

من كمال ربوبية الله تعالى وتعهده لخلقه: أن أرسل فيهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب السماوية وزودهم بالشرائع الإلهية، وأوجب على الناس العمل بمقتضاها؛ إذ فيها صلاح دينهم ودنياهم، قال تعالى: ( ‌قُلْنَا ‌اهْبِطُوا ‌مِنْهَا ‌جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة: 38-39) ، وقال تعالى: ( ‌كَانَ ‌النَّاسُ ‌أُمَّةً ‌وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة: 213) ، وقال تعالى: ( ‌وَلَقَدْ ‌بَعَثْنَا ‌فِي ‌كُلِّ ‌أُمَّةٍ ‌رَسُولًا ‌أَنِ ‌اعْبُدُوا ‌اللَّهَ ‌وَاجْتَنِبُوا ‌الطَّاغُوتَ ) (النحل: 36) ، وقال تعالى: ( ‌لِكُلٍّ ‌جَعَلْنَا ‌مِنْكُمْ ‌شِرْعَةً ‌وَمِنْهَاجًا ) (المائدة :48) ، إشارة إلى ما قيَّض الله لنا من الدين، وأمرنا به لنتحراه اختيارًا، قال تعالى: ( ‌ثُمَّ ‌جَعَلْنَاكَ ‌عَلَى ‌شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ) (الجاثية: 18) ، قال ابن عباس: "الشرعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما وردت به السنة" (انظر في ذلك: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني، ص 334-335) .

وهذه سنة ربانية ترتَّب عليها أن مَن لم تبلغه دعوة الرسل فهو مِن (أهل الفترة)، ومَن بلغته دعوة الرسل؛ فإنه يحاسب على مدى إيمانه بالرسل ومدى العمل بما جاءوا به من الشرائع؛ إذ ليس له تركها أو مخالفتها. وقد خَتَم الله تعالى هؤلاء الأنبياء والرسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا نبي بعده، وختم هذه الكتب والشرائع المنزلة من السماء بالقرآن الكريم وبشريعة الإسلام، فلا كتاب سماوي بعد القرآن الكريم، ولا شريعة بعد الشريعة الإسلامية، فالقرآن الكريم هو الكتاب المهيمن على ما قبله من الكتب، والشريعة الإسلامية هي الشريعة الناسخة لما سبقها من الشرائع؛ لذا تكفَّل الله تعالى بحفظ هذا القرآن الكريم للأمة جيلًا بعد جيل، قال تعالى: ( ‌إِنَّا ‌نَحْنُ ‌نَزَّلْنَا ‌الذِّكْرَ ‌وَإِنَّا ‌لَهُ ‌لَحَافِظُونَ ) (الحجر: 9) .

وقد أوجب الله تعالى العمل بشريعة الإسلام وعدم الخروج عنها حتى قيام الساعة؛ لذا فإن عيسى عليه السلام عندما ينزل في آخر الزمان يقتل المسيح الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة الإسلام ، فلا يسعه عليه السلام وهو في آخر الزمان الخروج عن الشريعة الإسلامية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، مع كون عيسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، ومع كونه أنزل عليه الإنجيل، ومع كونه قد وضع عن بني إسرائيل حين بعث فيهم بعض ما شدد به عليهم في شريعتهم؛ فكيف يكون لغيره من آحاد الناس ترك الأخذ بالقرآن الكريم أو الخروج عن شريعة الإسلام.

الشرع يزكي تراث الصحابة الديني:

وكل ما ثبت عن الصحابة من الاعتقاد وأصول الإيمان وفهمهم للدين والعمل جاء الشرع بتزكيته؛ خاصة وقد ثَبَت أنهم في هذه المسائل كانوا على قلب رجل واحد، وإجماعهم - في الاعتقاد أو العمل - لا شك في الاحتجاج به، قال تعالى في شأن الصحابة: ( ‌فَإِنْ ‌آمَنُوا ‌بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) (البقرة: 137) ، وقال صلى الله عليه وسلم فيهم: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي ‌وَسُنَّةِ ‌الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وفي الحديث الأمر بالتمسك بسنة الصحابة والأخذ بهديهم، وفيه جمع صلى الله عليه وسلم سنته وسنتهم في ضمير واحد؛ فلم يقل: "عضوا عليهما"، بل قال: ( عَضُّوا عَلَيْهَا )؛ لأنه عَلِم أنهم لا يفارقون سنته، بل يتمسكون بها، وإنما انتشرت سنته صلى الله عليه وسلم في الأرض شرقًا وغربًا مِن بعده عن طريقهم وما كانوا عليه، وفي الحض على العض عليها بالنواجذ أمر بالحرص كل الحرص على اتباعها.

وفيه: وصفهم بالراشدين وبالمهديين، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه صلى الله عليه وسلم هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السُّنة الكاملة؛ ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله) (راجع: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي - ط. مصطفى الحلبي الخامسة، 1400هـ - 1980م، ص 258 وما بعدها) .

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوع الاختلاف في الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ثم قال في صفة هذه الفرقة الناجية أنها: ( مَا ‌أَنَا ‌عَلَيْهِ ‌وَأَصْحَابِي ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

فما اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم فهو حجة؛ لعصمة إجماعهم، وهو دليل قطعي عند أهل السنة والجماعة، فـ(أهل السنة لا يتصور أن يتفقوا على مخالفة إجماع الصحابة)، (فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة)، فإذا كان الاتفاق على إجماع أهل الاجتهاد من المسلمين في عصرٍ مِن العصور على أمرٍ مِن أمور الدين يعد حجة شرعية عند الفقهاء، فلا شك أن إجماع الصحابة أولى ومقدم (للاستزادة راجع في ذلك: الكلام عن حجية الإجماع في (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي، و(أصول الفقه) لعبد الوهاب خلاف) .

الحداثة ورفض التراث:

الصفحة السابقة الصفحة التالية