ثورة المعلومات والاتصالات الرقمية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(منذ نشأتها ظلت قواعد البيانات كيانًا مغلقًا على مستخدميها داخل المؤسسات والهيئات المختلفة، لا تستطيع مخاطبة أو تلقي طلبات من خارج النظام الداخلي المرتبط بها، لكن في السنوات الأخيرة تغيرت الأمور كثيرًا وحدث تلاحم واسع النطاق بين الاتصالات وبين عالم المعلومات، مما جعل المعلومات المخزنة داخل قواعد البيانات لا تهم الموظفين فقط، والعالم الداخلي للشركة أو المؤسسة أو الجهة المالكة لها، بل أصبح جزء غير قليل منها عرضة للطلب من أشخاص كثيرين بالخارج؛ سواء كانوا عملاء أو شركاء في العمل، أو حتى أشخاصًا عاديين من المشترين والمستهلكين) (المصدر السابق، ص 14) ، (وهكذا ظهر جيل جديد من قواعد البيانات ينفتح على الخارج، ومهيأ لأن يستقبل مستخدميه بأكثر من وسيلة؛ سواء عن طريق الاتصال العادي أو اللاسلكي، ومن تليفون محمول أو عبر الإنترنت، ومن الحاسب الشخصي أو اليدوي وعن طريق تليفون عادي بأوامر صوتية من البعد، وما إن أصبح لهذه النوعية من قواعد البيانات حضورها القوي حتى تطورت الأحوال أكثر، فقد ظهرت قواعد البيانات العملاقة التي تعمل في حدِّ ذاتها كمحور أو قلب لمشروعات عملاقة متخصصة في تقديم الخدمات القائمة على المعلومات، مشروعات يطلق عليها مراكز خدمات المعلومات العامة تنشأ لكي يستخدمها العامة من الناس في الشوارع والمطارات والأسواق، ومقار العمل والمنازل، وتقدم لهم خدمات متجددة ومتنوعة، نيابة عن منتجين وشركات وجهات عديدة أخرى قد لا يراها المستخدم النهائي ولا يتعامل معها مباشرة، فهي مشروعات تختزن قدرًا لا نهائيًّا من المعلومات، وترصد سلوكيات الجميع، وتقدِّم للإنسان العادي أو المستخدم النهائي خدمات تتوافق مع احتياجاته وقتما يريد وأينما يريد، وبالشكل الذي يريده. وبفضل هذه النوعية من قواعد البيانات المفتوحة سوف تظهر مستقبلًا مراكز المعلومات العامة التي تقدِّم خدمات متنوعة، ويمكن للشخص العادي الاشتراك فيها) (راجع المصدر السابق، ص 14 - 15) .
المعلومات والاتصالات الرقمية:
صفة (الرقمية) ترجع إلى الطريقة التي بموجبها يتم تخزين أي بيانات ومعلومات على الحاسبات بشكل رقمي يتيح تخزين كميات هائلة جدًّا من المعلومات والبيانات على وسائط أو حيز تخزيني صغير جدًّا، كما يتيح تبادل ونقل هذه البيانات الهائلة وبسرعة وسهولة شديدتين بين الحواسب المختلفة المشتركة في شبكة المعلومات مهما يكن عددها، فضلًا عن سهولة تشفير وتكويد هذه البيانات وضغطها وتصغيرها بنسبة 1: 100 من الحجم الأصلي، لتسافر عبر الشبكات، ثم إعادة فك هذا الضغط عند الطرف الآخر الذي يستقبلها ليراها كما هي، وذلك كله بسرعة مذهلة تقاس بكسور من الثانية (انظر المصدر السابق، ص 40) .
لقد ظلت السيادة خلال سنوات طويلة في عالم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لما يعرف بالصبغة التماثلية (الأنالوج)، قبل أن تتوج سلسلة التطورات المتلاحقة في هذا المجال بالانتقال إلى سيادة الصبغة الرقمية التي صارت تصبغ حاليًا جميع أوجه الحياة.
الانتقال من السيادة التماثلية إلى السيادة الرقمية:
معلوم أن الحاسب الآلي لديه قدرة على تخزين المعلومات واسترجاع البيانات على شكل إشارات وومضات كهربائية وَفْق تطبيقات وبرامج معينة يريدها المستخدم للحاسب، بينما ولعقود ظل التليفزيون لديه القدرة فقط على استقبال المعلومات التي على شكل إشارات وومضات كهربائية وعرضها كما هي دون تدخل، فكان جهازًا ليس من خصائصه تخزين المعلومات واسترجاع البيانات، فجاء الربط بين الحاسب والتليفزيون ليجمع الوظيفتين معًا في جهاز واحد.
ويعتمد نظام الإرسال في التليفزيون على طريقة بث تعرف باسم: (الطريقة التماثلية)، حيث يتحول صوت المذيع وصورته -مثلًا- من موجات صوتية وضوئية إلى تيار متصل متتال متماثل من النبضات الكهربائية التي تذهب إلى محطة الإرسال، ويتم تحميلها على موجات كهرومغناطيسية عالية التردد، قادرة على الانتشار في الهواء والانتقال إلى مسافات بعيدة جدًّا، وهناك يلتقطها جهاز الاستقبال ويقوم بعملية عكسية لفصل الموجات المغناطيسية الحاملة عن الإشارات الكهربائية الحاوية للصوت والصورة، ثم توجيه الإشارات أو النبضات الأصلية إلى الشاشة والميكروفون لتعود إلى طبيعتها الأولى كصورة وصوت.
وتتم هذه العملية بسرعة عالية جدًّا تستغرق كسور من الثانية، وعليه فلا إمكانية لجهاز التليفزيون لاعتراض هذا السيل المتتالي من النبضات وتخزينه والتعامل معه بأي شكل من الأشكال سوى عرضه في نفس لحظة استقباله.
أما الحاسب الآلي الشخصي فيتعامل مع المعلومات والبيانات بطرق أخرى، فعقب تحويل البيانات سواء كانت نصًّا مكتوبًا أو صورة أو صوتًا إلى تيار متصل متماثل من النبضات الكهربائية، لا يقوم بتخزينها مباشرة، بل يقطعها إلى عينات صغيرة جدًّا ويرقمها، بحيث تأخذ كل عينة رقم معينًا من مجموعة أرقام يطلق عليها: (الأرقام المكافئة الثنائية)، ويستخدم في إنشاء هذه الأرقام رقمين فقط، هما: الصفر والواحد، وكل رقم ثنائي مكافئ يتكون من مجموعة من الأصفار ومجموعة من الرقم واحد، فيمكن مثلًا أن يضم خمسة أصفار وسبعة من الرقم الواحد، وقد يقل العدد أو يزيد، وتسمى تلك العملية بالترقيم، والهدف من ذلك جعلها في شكل يسمح لقرص الذاكرة على الحاسب باستقبالها وتخزينها، ثم إعادة عرضها بالطريقة التي يحددها مستخدم الحاسوب والبرنامج التطبيقي الذي يقوم بتشغيله، وهذه الطريقة في العمل هي منبع تسمية (الرقمية)، وهذه الرقمية قد سادت الآن في كل شيء.
وقد استمر هذا الوضع لسنواتٍ طويلةٍ بهذه الفوارق بين الجهازين، إلى أن ظهرت تطورات تكنولوجية، التقى فيها الجهازان في نقطة واحدة:
