دور الانقسامات وغياب التوافق في أزمة السودان
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
جاء ذلك في وقتٍ اندلعت فيه نزاعات قبلية في إقليم دارفور بين القبائل العربية والقبائل الإفريقية؛ مما ينذر أيضًا بحرب أهلية، كما شكَّل النزاع القبلي في إقليم النيل الأزرق في جنوب البلاد تهديدًا بتوسيع الحرب الأهلية وعدم السيطرة عليها، بل كان امتداد النزاع الأهلي إلى إقليم كسلا في أقصى شرق البلاد (راجع مقال: "البرهان يلقي الكرة في ملعب الأحزاب" خالد محمد علي - جريدة الأسبوع - 25 يوليو 2022م، ص 8) .
ومما زاد الأمر في السودان سوءًا: تحركات أطراف دولية لتوجيه الأحداث داخل السودان في ظل وقوع أطراف سودانية في الولاء لتلك الأطراف الأجنبية الخارجية، وبلغ الأمر ذروته من خلال توجهات ممثل الأمم المتحدة في السودان فولكر بيرتس التي تتشابه مع ما قام به جون برايمر حاكم بغداد بعد الاحتلال الأمريكي في العراق عام 2003م، من توجهات قادت العراق إلى حالة من الانهيار والفوضى، والتمزق والضياع.
فكما انقض نصف الشعب العراقي على نصفه الآخر بدعوى القضاء على كلِّ مَن كان ينتمي إلى حزب البعث الذي كان يترأسه "صدام حسين"، كانت الدعوة لتكوين لجنة سياسية لإزالة التمكين لا تخضع للقضاء بمباركة فولكر؛ بدعوى القضاء على كلِّ مَن ينتمي -أو انتمى- إلى حزب المؤتمر الوطني الذي كان يترأسه البشير، والذي حكم السودان لمدة ثلاثة عقود؛ فقامت اللجنة بدهم بيوت متهمين وشركات ومحال، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم -وهي ممتلكات خاصة، وليست ممتلكات دولة-، إلى جانب اعتقال وسجن قيادات وأفراد دون سندٍ مِن قانون، ودون أي محاكمة! وقد لقى هذا الأمر استنكار جميع الجهات القانونية والحقوقية في السودان وخارجها.
وكما قامت فرق للموت في العراق بقتل قادة عسكريين وأمنيين وسياسيين ورجال فكر؛ بسبب انتمائهم السابق إلى حزب البعث، كان تأسيس اللجان المقاومة من شباب بالتعاون مع الحزب الشيوعي السوداني الذي ينادي بالتغيير الجذري.
وكما تم تقسيم السلطة في العراق على فكرة المحاصصة بين السنة والشيعة والأكراد؛ مما جعل الأطراف الثلاثة في حالة صراع دائم، كانت المطالبة بإعادة تنظيم وهيكلة الجيش والأجهزة الأمنية على مبدأ المحاصصة بين القبائل السودانية حسب حجمها لتحويل الجيش السوداني من جيش وطني إلى جيش قبلي، بل المطالبة باستبعاد وإقصاء العديد من الأحزاب والتيارات السياسية مما يجعلها تدخل كمعارضة في المستقبل في صراع مع ممثلي السلطة (راجع في ذلك مقال: "برايمر العراق وفولكر السودان" خالد محمد علي - جريدة الأسبوع - عدد 22 أغسطس 2022م، ص7) .
هذا إلى جانب ما تتعرَّض له السودان: بسبب ضياع مئات الملايين من الدولارات من ثرواتها نتيجة الفساد المستشري؛ خاصة فيما يتعلَّق بنهب ذهب السودان؛ إذ إن عمليات استخراج الذهب التي تتم عبر الشركات الوطنية والأجنبية لا تشكل أكثر من 10 % من عمليات استخراج الذهب في السودان، بينما يقوم أفراد من الشعب باستخراج ذهب السودان وبيعه بشكل فردي؛ إذ إن عملية الاستخراج هناك لا تزيد تكلفتها عن خمسة آلاف دولار، وهو ما يجعل عددًا كبيرًا من أفراد الشعب ينتشرون في ربوع السودان بحثًا عن الذهب، كما أن قادة من الجيش أيضًا يقومون بتهريب الذهب خارج البلاد.
وقد تسببت هذه العمليات غير المنظمة في أزمة كبيرة واجهت الحكومات في السودان في ظل غياب هيبة الدولة واستحواذها على الثروات القومية والإستراتيجية، ومعلوم أن قوات الردع السريع بقيادة حميدتي تنفق على نفسها من خلال سيطرتها على منجم للذهب في دارفور، ولا يخفى كيف فقدت السودان ثروات البلاد من البترول بتسليمها إلى دولة جنوب السودان، على الرغم من أن السودان هو مَن تحمل جميع تكاليف التنقيب عن البترول وإنتاجه، وتكلفة مد خطوط أنابيب التصدير من الجنوب بطول 1600 كيلو متر، والتي اقتطعت كلها وسلمت إلى دولة جنوب السودان ليبقى السودان خاليًا منها (راجع مقال: "ذهب السودان" خالد محمد علي - عدد الأسبوع - 8 أغسطس 2022، ص 7) .
ولا يخفى أن قيام حرب أهلية وفوضى شاملة في السودان ستكون مصر معه محطة لجوء رئيسية لأبناء السودان البالغ عددهم 45 مليون سوداني، إلى جانب احتمالية خروج ودخول أسلحة مهربة ومسلحين من السودان إلى مصر، ومن مصر إلى السودان عبر حدود مشتركة بين البلدين التي تبلغ نحو 1250 كيلو متر، وهو خطر كبير يهدد الأمن القومي المصري، ويهدد الدولة السودانية نفسها، مع ما تحمله من مخاطر تدخل قوى دولية لنصرة طرف ضد آخر، قد تنتهي بتحول السودان إلى عراق أو ليبيا جديدة.
التحرك المصري في السودان:
وقد حاولت الإدارة المصرية من خلال علاقاتها القائمة مع كلِّ التيارات والأطراف السياسية في السودان، المساهمة في إخراج السودان من أزمته من خلال اللقاءات مع جميع مكونات المشهد السياسي للسودان لجمعهم على طاولة مستديرة واحدة تتسع لجميع الأطياف في السودان للوصول إلى حدٍّ مِن التوافق حول اتفاق للمرحلة الانتقالية المقبلة، فكانت لجهود القنصل المصري السابق في السودان دورًا محوريًّا في التمهيد لهذا التحرك المصري، ومِن بعده كان تحرك وفود أعلى للقاء الفرقاء بالسودان، والتي تُوجِّت بزيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية للسودان لإنجاز اتفاق سوداني نهائي سريع وشامل؛ حفاظًا على أمن واستقرار السودان من جانب استشعار خطورة ما يحدث في السودان، وتهديده للأمن القومي في مصر.
وقد استند التحرك المصري في السودان إلى:
- ضرورة الوفاق الوطني.
- أن يكون حل الأزمة سودانيًّا، مع تحجيم التدخل الأجنبي، على أن يكون في حدود تسهيل الوفاق لا صناعة مستقبل البلاد.
- منع حالة الصراع الداخلي؛ لخطورته على أمن واستقرار البلاد، والمنطقة بأسرها.
- الحرص على الثوابت الوطنية السودانية من وحدة التراب السوداني، وحماية أمنه القومي، واستقلال قراره السيادي.
