شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

زيجات النبي -صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم

الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين

ثم انفرد النبي -صلى الله عليه وسلم- بحكمٍ جاء فيه تقييد تزوجه بالنساء لا يسري على غيره؛ إذ منع -صلى الله عليه وسلم- عند صدور هذا الحكم من التزوج بنساء غير اللاتي في عصمته وقت صدور الحكم، فلا يتعدَّى عدد زوجاته العدد الذي في عصمته عند نزول الحكم، وليس له أن يستبدل إحدى زوجاته فيطلقها ويتزوج غيرها، فلو طلق زوجة -أو زوجات- منهن، أو توفيت إحدى زوجاته أو بعضهن، فليس له أن يتزوج غيرها، رغم أن هذا أمر مباح لسائر رجال الأمة، حتى بعد تقييد زواج المسلم بأربعة نساء، مع اشتراط العدل بينهن في قوله -تعالى-: ( ‌فَانْكِحُوا ‌مَا ‌طَابَ ‌لَكُمْ ‌مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) (النساء: 3) ، فللمتزوج بأربع نساء إن طلق إحدى نسائه الأربع أو توفيت إحداهن أن يتزوج غيرها، كما قال -تعالى-: ( ‌وَإِنْ ‌أَرَدْتُمُ ‌اسْتِبْدَالَ ‌زَوْجٍ ‌مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) (النساء: 20) ، بينما قال الله -تعالى- في حقِّ نبيه -صلى الله عليه وسلم- : ( ‌لَا ‌يَحِلُّ ‌لَكَ ‌النِّسَاءُ ‌مِنْ ‌بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ) (الأحزاب: 52) .

حكمة ظاهرة في زيادة زوجاته -صلى الله عليه وسلم- على الأربع:

لما نَزَل تقييد زواج المسلم بأكثر مِن أربع نساء وفراق مَن كان له أكثر مِن أربع نساء ما زاد عن الأربع؛ لم يسرِ هذا الحكم على النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فأبقى كلَّ مَن كُنَّ في عصمته من النساء، مع الامتناع عن الزيادة عليهن، أو استبدال إحداهن بأخرى ولو أعجبته.

ولهذا حكمة ظاهرة عند التأمل، وذلك:

- أن الشرع عَدَّ زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثابة أمهات للمسلمين، ولا يحل لمسلم أن يتزوج بأي منهن إن فارقها النبي -صلى الله عليه وسلم- ، قال الله -تعالى-: ( ‌النَّبِيُّ ‌أَوْلَى ‌بِالْمُؤْمِنِينَ ‌مِنْ ‌أَنْفُسِهِمْ ‌وَأَزْوَاجُهُ ‌أُمَّهَاتُهُمْ ) (الأحزاب: 6) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذَا ‌سَأَلْتُمُوهُنَّ ‌مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ) (الأحزاب: 53) ، فتعيَّن على ذلك إبقائهن جميعًا في عصمته وعدم مفارقته -صلى الله عليه وسلم- لما زاد عن الأربع منهن، ليجدن جميعًا لديه العفاف والنفقة والرعاية التي تحتاج إليها كل امرأة، وإلا فمن يفارقها النبي -صلى الله عليه وسلم- زيادة على الأربع أين تذهب ومَن يعفها ومَن يعولها؟

- أنهن لما خَيَّر الله -تعالى- كلَّ واحدة منهن بلا استثناء بين البقاء في عصمته -صلى الله عليه وسلم- واستمرار زواجه منها على ما في البقاء معه من الصبر على شظف العيش، وبين أن تفارقه بإحسان، وكن قد اشتكين جميعًا من ضيق العيش، فنزل قرآنًا يُتلَى على الملأ أمام الجميع أن لكل منهن الحرية الكاملة في اختيار إبقاء علاقتها الزوجية مع النبي -صلى الله عليه وسلم- والصبر على ضيق العيش معه، أو إنهاء تلك العلاقة الزوجية، والتفريق بإحسان، قال -تعالى-: ( ‌يَا أَيُّهَا ‌النَّبِيُّ ‌قُلْ ‌لِأَزْوَاجِكَ ‌إِنْ ‌كُنْتُنَّ ‌تُرِدْنَ ‌الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا . يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا . يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (الأحزاب: 28-33) .

وجاء الرد منهن جميعًا أمام الجميع: أن كلَّا منهن اختارت بكامل إرادتها البقاء مع النبي -صلى الله عليه وسلم- رغم تعدد زوجاته، وشظف وضيق العيش الذي كان عليه، وزهده في الدنيا ورغبته القوية الصادقة في الآخرة، فكان من اللائق بهن -مكافأة لهن- على ذلك إبقاؤهن جميعًا في عصمته مع رغبتهن فيها، وحرصهن عليها -رضي الله عنهن جميعًا-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية