شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مفاهيم إسلامية لها مردود اقتصادي كبير

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وهي صورة خاصة مِن النفقة تراعي وتهتم بفئة من ضعفاء الأمة تحتاج إلى الكفالة التامة والرعاية الدائمة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا ‌وَكَافِلُ ‌الْيَتِيمِ ‌فِي ‌الْجَنَّةِ ‌هَكَذَا ) وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. (رواه البخاري) . وفي الحديث المرفوع عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ( ‌السَّاعِي ‌عَلَى ‌الْأَرْمَلَةِ ‌وَالْمِسْكِينِ، ‌كَالْمُجَاهِدِ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللهِ. وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ ) (متفق عليه) . وفي الحديث المرفوع: ( ‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أُحَرِّجُ ‌حَقَّ ‌الضَّعِيفَيْنِ: ‌الْيَتِيمِ، ‌وَالْمَرْأَةِ ) (رواه النسائي بإسناد جيد) . ومعنى ( ‌أُحَرِّجُ ): ألحق الحرج، وهو: الإثم، لمَن ضَيَّع حقهما، وأحذِّر من ذلك، وأزجر عنه.

11- تفهم نظرة الإسلام للفقر:

لا يخلو مجتمع من وجود الفقراء والمحتاجين والضعفاء فيه، كما أن فيه الأغنياء الموسرين والمقتدرين، ولا لوم على الفقير لفقره إن كان لا قدرة له على التخلص من فقره؛ لعجزه وضعف إمكانياته أو لقلة مواهبه، وطالما قد أدى ما عليه، وأخذ بالأسباب التي تيسرت له في محاولة دفع الفقر عن نفسه ومَن يعول فلم تسعفه قدراته؛ فعليه أن يرضى بما قسم الله -تعالى- له، وليعلم أن هذا من الله -تعالى- ابتلاء له واختبار، فليستعفف وليصبر على البلاء، حتى يجعل الله -تعالى- له منه مخرجًا متى شاء، وكيف شاء -عز وجل-: ( ‌فَإِنَّ ‌مَعَ ‌الْعُسْرِ ‌يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح: 5-6) . أما مَن كان قادرًا على أن يغني نفسه ويدفع عنها الفقر فيجب ويتعين عليه ذلك بلا أدنى تردد؛ لئلا يعيش في هم ضيق العيش والحاجة للناس، ولئلا يضيِّع مَن يعول، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من الفقر ويسأل الله -تعالى- العفاف والغنى، فمن دعائه: ( ‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَعُوذُ ‌بِكَ ‌مِنَ ‌الْكُفْرِ، ‌وَالْفَقْرِ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ، و( ‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَسْأَلُكَ ‌الْهُدَى ‌وَالتُّقَى، ‌وَالْعَفَافَ ‌وَالْغِنَى ) (رواه مسلم) . ودعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنس -رضي الله عنه-: ( ‌اللَّهُمَّ ‌أَكْثِرْ ‌مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ ) (متفق عليه) . وكان في الصحابة أغنياء، منهم: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان. وكان منهم فقراء: كبلال، وأبي هريرة -رضي الله عنهم أجمعين-.

والزهد في الدنيا لا يعني أن يكون الإنسان فقيرًا معدمًا، ولكن الزهد في الدنيا أن تزهد فيما تملك ولا تتعلَّق به، فالزاهد حقًّا من ملك الدنيا بين يديه، ولكنه لم يجعلها في قلبه. والسعادة الحقيقية -لا المزيفة- تأتي من داخل النفس لا مَن تملك زخارف الدنيا وزينتها؛ لذا فمَن قنع بما قسم الله -تعالى- له -وإن قلَّ- كان أغنى الناس، ومن لم يقنع بما ملك وإن كثر فهو المحروم؛ لذا يحرم في الإسلام سؤال الناس إلا لمن استحق المسألة، ففي الحديث المرفوع: ( ‌إِنَّ ‌الْمَسْأَلَةَ ‌لَا ‌تَصْلُحُ ‌إِلَّا ‌لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ ) رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي. و(الفقر المدقع) أي: الفقر الشديد، و(الغرم المفظع) أي: الدين الثقيل، و(الدم الموجع) أي: الدية التي التزم المرء بتحملها في حقن الدماء أو إصلاح ذات البين، ثم لا يقدر على القيام بها بمفرده.

12- القيام بكل فروض الكفايات:

وهذا باب واسع يجب بمقتضاه سد كل الثغرات بالقيام بكل فروض الكفايات في الأمة، من إقامة الحرف التي لا غنى عنها، ودعم الزراعات والصناعات والتجارات المختلفة، وتحصيل كل العلوم الحديثة في كل المجالات، وتهيئة العدد اللازم من الكوادر العلمية والفنية في التخصصات المختلفة التي يحتاج إليها المجتمع؛ إذ إن افتقار المجتمع لجزئية مما سبق في أي مجال من مجالات الحياة يصبح فيه المسلمون عالة على غيرهم، وربما فتح الباب لتحكم غيرهم فيهم بما لا يحمد عقباه، وهذا في زماننا مشاهد معلوم ما زالت تكتوي الأمة بناره.

والمساهمة في تحقيق ذلك في الإسلام هو مسئولية كل أفراد المجتمع بلا استثناء، فهو فيهم فرض عين كل بحسب طاقته وقدرته وما يستطيع، ولا تسقط هذه المسئولية إلا بتحقيق الأمر المنشود وسد ثغرته على الوجه الأكمل، فالقادر على الدعم المادي والتعاون الفعلي فليقم به، ومن عجز عن ذلك فينبغي عليه النصح والإرشاد والحث لمن يقدر على ذلك حتى يؤديه، كما ينبغي على رجال الأعمال وأصحاب الأموال وكبار المستثمرين استثمار أموالهم وطاقاتهم في المشاريع الكبيرة الجادة التي تغطي فروض الكفايات في الأمة في مجال الإنتاج، خاصة الإنتاج الثقيل أو الإنتاج المتقدم علميًّا، كصناعة الحديد والصلب، وإنتاج السيارات والمركبات، وصناعة أنواع الأجهزة الإلكترونية، ونحوها.

13- النفقة في تجهيز المجاهدين والدعاة في سبيل الله:

الصفحة السابقة الصفحة التالية