مؤسسة تكوين الفكر العربي (3) إبراهيم عيسى يواصل تكوين كتابه "أَسَد" الغابة في الطعن في السيرة والصحابة!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
اختلف أهل العلم في ابن إسحاق بين مَن وثَّقه وبين من جَرَحه، ومن هنا وجد المستشرقون وعلى إثرهم كاتبي تكوين الفرصة السانحة للطعن عليه، ولكن هنا يدور سؤال أوَّلي لتكوين: هل تُقِرُّون بعلم مصطلح الحديث؟ وهل تقبلون ما قَبِلَه جهابذته، وترفضون ما رفضوه؟!
لا أظن أنهم يجرؤون أن يقولوا: نعم، وإلا ففيمَ الحرب على البخاري أمير المؤمنين في علم الحديث كما لقَّبته الأمة؟!
إذًا، فمِن المريب حقًّا: أن نجد فجأة استدلالًا بقواعد علم المصطلح لإسقاط ابن إسحاق، ومِن ثَمَّ إسقاط السيرة النبوية كلها!
ومع هذا، فما تذرعوا به مِن أن مَن اختلف فيه العلماء بين الجرح والتعديل، فالمقدم فيه الجرح مطلقًا ليس بصحيح؛ فربما جرح الجارحون الراوي بما لا يجرح؛ فقد جرحه هشام بن عروة بأنه يروي عن زوجته، فقال "متى لقيها ليروي عنها"؟ وهو أمر لا يعدو أن يكون شدة غيرة اعترت الرجل خشية أن يُظن امرأته تتساهل بلقاء الرواة مع أنها أكبر منه ومن ابن إسحاق، فلا شك أنه يحتمل أنه أخذ عنها قبل أن تتزوج.
وهذا يدل على أمور:
- أن في عصر الرواية الذهبي أدَّت المرأة دورها فيه.
- وأن الأمة لم تتعامل مع أحد على أنه معصوم، وقدّروا أن تأخذ فلان غيرة مفرطة على زوجته، أو غيرة من أقرانه.
والعجيب حقًّا: أن ينحاز إبراهيم عيسى، وهو من يتحدث عن تحرير المرأة (المنفلت إلى حدِّ زعمه أن جداتنا كن ترتدين المايوهات في الشواطئ!) إلى الجانب الذي يبدو أنه منطلق من غيرة مفرطة (فوق غيرة السلفيين التي يراها هو هوسًا!).
وأما طعن "مالك": فعلى جلالة الإمام مالك فقد وقف رجال الحديث في هذا الجرح الذي أمامه توثيق مفصل، ووجدوا أن الوشاة قد وشوا بين الرجلين فأسقطوا جرح مالك لابن إسحاق.
ومرة أخرى نرى الأمة تتعامل في كل موقف بما يستحقه دون تقديس لأحد.
وأما اتهامه بالتدليس فلا يسقطه لا هو ولا غيره، وإنما يقتضي التحوط، وهذا التحوط في روايات الأحكام، وأما الأخبار فتدليس ابن إسحاق (وكانت صورته دمج مرويات بعض الرواة على بعضهم بإسناد واحد مع الاختلاف بينهم في السياق)، فهو غير قادح في مرويات السير، أو إن شئنا الدقة لقلنا: الجانب القصصي في السير.
ولذلك قال الذهبي في بيان حال ابن إسحاق: "والذي تقرر عليه العمل: أن ابن إسحاق إليه المرجع في المغازي والأيام النبوية، مع أنه يشذ بأشياء، وأنه ليس بحجة في الحلال والحرام، نعم، ولا بالواهي، بل يستشهد به. وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذ فيها فإنه يعد منكرًا".
وقد نقله الشوربجي في مقالته واندهش من حكم الذهبي، ولو أنه كان ينظر إلى الأمور بعين طالب العلم؛ لعلم أن كلام الذهبي موزون بموازين الذهب، بل أدق، والحمد لله رب العالمين.
يبقى طعن انفرد به إبراهيم عيسى، وهو: التشكيك في هل أسلم يسار جد محمد بن إسحق أم لا؟ مع الجزم بإسلام أبيه إسحاق.
ولا أدري: هل هذا إبراهيم عيسى المتغزل في البقرة وعابديها وهم على شركهم يستنكر على رجل أن يصير إماما في الدين؛ لأن جده كان نصرانيًّا، ولا يعلم: هل أسلم أم لا؟ (أظنه بهذا يستحق الإقالة من تكوين؛ فهو مخالف لما يدعون إليه، ولكن الكل يستباح في سبيل نصرة مذاهب المستشرقين!).
سيرة بن هشام (النسخة الأكثر تنقيحًا من سيرة ابن إسحاق):
- ثم جاء بعده ابن هشام والذي وصلت له السيرة من طريق البكائي تلميذ ابن إسحاق (وما يقال في ابن إسحاق يقال مثله في البكائي)، وقام ابن هشام بدراسة نقدية لسيرة ابن إسحاق، فاستبعد منها بعض الأشعار التي نسبها ابن إسحاق لأهل الجاهلية، ونقَّح بعض أوهامه، ومِن ثَمَّ صارت سيرة ابن هشام مقدَّمة جدًّا عند أهل العلم على كتاب ابن إسحاق نفسه، ولعل هذا أثَّر على عدد المخطوطات، حتى جاء عصرٌ فانقرضت فيه مخطوطات ابن إسحاق، ولكن مخطوطات سيرة ابن هشام من الكثرة بحيث يوجد منها في مكتبات مصر وحدها العشرات من النسخ، وفي مكتبات العالم الإسلامي المئات.
- ومن المهم: بيان أن سيرة ابن إسحاق بقيت نسخها موجودة حتى قرأها ابن جرير الطبري، وابن عبد البر، وضمنها كتبه، وكذلك الذهبي، وابن كثير، وذكر الشيخ محمد حميد الله أنه علم أنها كانت موجودة في مكتبات الهند حتى قبيل الاحتلال الإنجليزي لها، وبالتالي فالسيرة ثبتت عن طريق مرويات مصادر ابن إسحاق: كعروة بن الزبير، وأبان بن عثمان، فمروياتهم موجودة في دواوين السنة.
ثم من جهة ابن هشام "وهي النسخة المنقحة من سيرة ابن إسحاق"؛ حيث تصرف ابن هشام في سيرة ابن إسحاق بالحذف حينًا وبالزيادة حينًا، ولكن ابن هشام ضَمَّ سنده إلى ابن إسحاق فيما أثبته من سيرة ابن إسحاق، وساق بسنده المستقل ما زاده، فصارت سيرة ابن هشام مرجعًا مستقلًا مسندًا.
ولو أن تساؤلهم كان حول ماذا عسى أن يكون قد حذفه ابن هشام؟ فهذا سؤال من باب الرفاهية؛ لا سيما وقد بيَّن ابن هشام أنه حذف ما لا تعلُّق له بالسيرة، وحذف أشياء يجمل عدم ذكرها، ولكن تبقى في النهاية سيرة ابن هشام مرجعًا مسندًا لا يُحتاج في تحقيقه إلى شيء من سيرة ابن إسحاق، وأنه هو المرجع الذي أخذ منه مَن جاء بعده.
ثم هناك أجيال من العلماء اطلعوا على سيرة ابن إسحاق ذاتها (ثم وُجِدت قطع من مخطوطات ابن إسحاق، حققها الشيخ محمد حميد الله وطبعت، ولم يجدوا في الأجزاء التي وجدت فروقات تذكر عن سيرة ابن هشام).
- ادعى إبراهيم عيسى كذبًا أو جهلًا: أن سيرة ابن هشام لا يوجد منها سوى مخطوطتين، وأننا في مصر لم نرَ هذه المخطوطات، فحتى لو وجدت نسخة خطية وحيدة في مكتبة ما، يذهب المحققون فينسخونها ويطبعون عليها. وكل هذا ونحن نتحدث عن كتب موقعها في أدبيات السيرة إكمال الرابط القصصي، ولم نرَ من تكوين كلامًا على الأناجيل، وكل نسخها الأصلية مفقود والموجود مترجم عنها (وليس منقحًا منها مثلًا، كحال سيرة ابن هشام مع سيرة ابن إسحاق)، والنسخة اليونانية التي اعتبرت في النهاية أصلية أيضًا عدد نسخها الخطية محدود كذلك.
الترتيب المعاصر لكثير من كتب السيرة نقح الترتيب وراعى جميع المصادر:
