مؤسسة تكوين الفكر العربي (6) "يوسف زيدان" يقدِّم لنا دينًا يدافع عن إبليس.. وثورة تستلهم اغتيالات الحشاشين!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
المهم أن الدفاع عن أسماء هؤلاء بنفي الفكرة عنهم قد يُقبل فيه الأخذ والرد، وهو أمر فعله الكثيرون؛ منهم: السيوطي، ومنهم شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود، ولكن يوسف زيدان شأنه شأن كثير من الذين درسوا على أيدي المستشرقين، يدافع عن فلسفة وحدة الوجود ذاتها، بل ويؤكد أنه يعرف تمامًا لوازم تلك الفلسفة؛ من الاعتذار عن إبليس، وقبول كل الملل، وزعم أن عذاب النار عذوبة على أهلها، وهذا ما سنبينه -بإذن الله- بعد أن نلقي نظرة سريعة عن نشأة يوسف زيدان.
نشأة يوسف زيدان:
نشرت المصري اليوم في 28-05-2016 حوارًا مع الدكتور يوسف زيدان، كان من جملة ما ذكره فيه علاقته بالصوفية، فذكر أن أباه من سوهاج وأمه من الإسكندرية، وأن أباه طلَّق أمه فأخذته أمه عند أبيها في الإسكندرية، واشترط جده لأمه على أبيه ألا يزور الصعيد إلا بعد دخوله الجامعة، وكانت أول رحلة له للصعيد مع أبيه استغرقت شهر رمضان كله؛ لأن أباه كان ينزل به في كل مدينة فيها قبر لكي يزوره ويتبرك به (وإن كان ذكر أنه لم يكن مطمئنًا إلى ذلك).
ثم بيَّن أنه في النهاية ارتبط بالصوفية، فقال: "تعمقت علاقتي بالصوفية مع شاعر الصوفية ابن الفارض الذي وقعت أشعاره في قلبي موقعًا خاصًّا. وفي سن 22 عامًا نشرت كتابي الأول: (المقدمة في التصوف)، ثم اكتملت علاقتي بالصوفية بالتأمل والدراسة؛ فأعددت الماجستير عن الصوفي عبد الكريم الجيلي، ثم الدكتوراة وعمري 29 عامًا عن الإمام عبد القادر الجيلاني".
وقد ذكر في كتابه "دوامات التدين" اقترابه في آخر سنوات دراسته في الكلية من التيارات الدينية الأخرى، وهذا يعني سنة 1978 أو 1979، وذكر أنه لم يعجبه التيار (وواضح أنه منذ احتكاكه الأول لم يستطع تمييز الفروق الفكرية بين تيار ما عُرِف حينها بالجماعة الإسلامية الطلابية).
ويمكننا القول: إنه كتب رسالته في الماجستير بصفته شخص يحب الصوفية وإن لم يكن متصوفًا (أظنه يعني أنه يحب الفكر الصوفي في تفسير الكون والحياة، ولا يحب ما في الصوفية عمليًّا من التعلق بالقبور؛ فضلًا عن الرقص، وغيره).
تاريخ التصوف كما استعرضه يوسف زيدان:
ليوسف زيدان سلسلة مقالات صحفية بعنوان: "الرؤية الصوفية للعالم"، وكانت المقالة السادسة منهم بعنوان: "القول السادس في اصطدام المعنى باللفظ واحتدام الشطح"، تعرض فيها لمجمل تاريخ التصوف، فمن ذلك:
1- قال زيدان ما ملخصه: لم يشهد القرن الهجري الأول أي مشكلات تتعلق بالتعبيرات والأقوال الصوفية؛ لأن (التصوف) ذاته لم يكن آنذاك قد تشكل قوامه في هذا الوقت المبكر من حياة المسلمين.
2- قال زيدان ما ملخصه: لما انتصف القرن الهجري الثاني وتأسست الدولة العباسية ثم استقرت في عاصمة الخلافة (بغداد)، وأقرت بعد حين من استقرارها مظاهر ترف وبذخ ولهو، لم يكن للمسلمين بها سابق عهد، عاهد الزهاد المسلمون أنفسهم على التوغل في آفاق التجربة الروحية، وكأنهم يعيدون (التوازن) الذي اختل مع الغرق العباسي في الملذات.
( قلتُ: يوسف زيدان يسير على خطى المستشرقين في إعطاء العامل السياسي دورًا كبيرًا في المجال الفكري، ولكن يمكن أن نقول: إنه تسرب شعور بأن الزهد لا يأخذ درجة الاهتمام اللائقة به).
3- قال زيدان ما ملخصه: مع نهاية القرن الهجري الثاني ودخول القرن الثالث، كانت ملامح (التصوف) قد راحت تتحدد شيئًا فشيئًا، وصارت التجارب الروحية تنتظم في أُطر معترف بها في المجتمع الإسلامي، بل مُرحَّب بها ومندوب إليها، على اعتبار أنها المعبر الأول عن صفاء الإيمان، وصدق التدين، وحقيقة الولاية.
( قلتُ: قد تتوهم من قوله: (صفاء الإيمان، وصدق التدين، وحقيقة الولاية) -وكلها ألفاظ توحي بأن ثمة مرجعية تبيِّن الصادق من الكاذب- أن المقصود هو الالتزام بالكتاب والسنة ونصوص الوحيين الشريفين، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن الصوفية لا سيما الفلسفية يرون أن التجربة الروحية تشرق على النفس معرفة، ويعتبرون هذا مصدرًا للمعرفة مستقلًا عن اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بل ويمكن اعتبار أنهم يرون أنهم يأتيهم وحي خاص، ثم تتدرج بهم التجربة ليكتشف القائلون بوحدة الوجود -أو ليكشفوا لنا-: أن التعمق أكثر في التجربة سوف يكشف لنا حقيقة واحدة في زعمهم، وكل ما عداها خيالات، وهي: أن كل هذه المخلوقات هي -والعياذ بالله- ذات الله، أو تختلف عنه اختلافًا ذهنيًّا فقط، مثل الاختلاف بين البحر وأمواجه، والثلجة ومائها!).
4- قال زيدان ما ملخصه: وفي ذاك الزمان، ظهر أولياء الله فأوقفوا حياتهم على محور الروح، وانجذبوا بقلوبهم نحو الرحاب الإلهي، وهجروا الدنيا قلبًا وقالبًا، فلما حدقوا في مرآة نفوسهم، وقد تجلت على صفحتها آيات (الذات الإلهية) عبر تجليات لا يبلغها الإحصاء، صارت للصوفية مشاهدات خاصة، ورؤى روحية، استقلوا بها عن بقية المسلمين.. وأرادوا التعبير عن أحوالهم هذه، بالمعتاد من المفردات، فشطحوا!
( قلتُ: الاعتراف بأنهم استقلوا عن بقية المسلمين كافٍ لكلِّ عاقل لإثبات أن هذا باطل، قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء: 115 ) .
( قلتُ: وأما دعوى عجز اللغة عن الوفاء بمراد الصوفية، فنوع من التقية لجأ إليها بعضهم في أن يقول كلامًا كالهذيان ليدعي الجنون متى حوكم به؛ وإلا فقد تخصص أناس في فهم كلام الصوفية وشرحه وتفسيره، وأخذوا فيه شهادات الماجستير والدكتوراة، ومنهم يوسف زيدان نفسه).
5- قال زيدان ما ملخصه: وقد شهد القرن الثالث الهجري، والرابع أيضًا كثيرًا من شطحات الصوفية وعباراتهم الغريبة الدالة على أنهم يستعملون اللغة العادية، للتعبير عن رؤى غير معتادة وغير معترف بها عند أهل زمانهم، وقد اشتهر بالشطح واحد من كبار الأولياء في القرن الثالث الهجري، هو البسطامي (أبو يزيد، طيفور بن عيسى، المتوفى 261 هجرية)، الذي نَقَل عنه المؤرخون عجائب العبارات، وبدائع الشطحات، التي سنذكر طرفًا منها بعد قليل.
