مؤسسة تكوين الفكر العربي (6) "يوسف زيدان" يقدِّم لنا دينًا يدافع عن إبليس.. وثورة تستلهم اغتيالات الحشاشين!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
( قلتُ: الأزمة ليست في اللغة، فقول البسطامي: "سبحاني سبحاني ما أعظم شاني!"، كلام عربي دال على معنى، وهو: أنه يدعي الألوهية! ولكن حمل هذا على أنه غلبه الفناء في استحضار الله، فتكلم بضمير المتكلم، ومقصده الإخبار عن الله -تعالى-، هو أيضًا كلام لغوي بَيَّن المعنى الذي قيل إن أبا اليزيد كان يقصده، وهذا يدل على أن الفقهاء الذين لا يفتأ زيدان وشيعته أن يلمزوهم بضيق الأفق، مارسوا أعلى درجات الصبر والنصيحة والعلاج، مع هؤلاء وغيرهم، وسيظهر هذا جليًّا حينما يأتي على ذكر الحلاج بعد قليل).
6- قال زيدان ما ملخصه: ولم ينقم معاصرو البسطامي عليه بسبب شطحاته، لكنَّ معاصري الحلاج قتلوه بسبب شطحه، قتلة شنيعة -أو حسبما أشرتُ في مقالي السابق-؛ فقد قتله حكام وفقهاء زمانه لأسباب سياسية، متعللين في ذلك ومعللين له، بما روي عن الحلاج من (شطحات) كقوله: ما في الجبَّة إلا الله! وقوله شعرًا:
مزجت روحك روحي كما تمزج الخمر بالماء الزلال
ويدل على أن مقتل الحلاج لم يكن في الحقيقة بسبب شطحاته، أن معاصره وصديقه (الشبلي) رويت عنه شطحات لا تقل رعونة ولا غرابة في المعنى، لكن ذلك لم يأخذ بالشبلي إلى حتفه.
وقد تحايل معاصروه على الأمر، بأن قبلوا فكرة أنه (مجنون) فأودعوه مستشفى الأمراض العقلية (بيمارستان المجانين) حتى مات ميتة طبيعية، بعد صلب الحلاج بخمسة وعشرين عامًا، ظل الشبلي خلالها يردد: أنا والحلاج شيء واحد، فأهلكه عقله وخلصني جنوني!
( قلتُ: هنا يجمع زيدان بين قول مَن يبرؤون الحلاج مِن دعوى قوله بأن الله قد اصطفى جسده ليصير ناسوتًا يحل فيه لاهوته، وهو القول الذي أجمعت الأمة بسببه على كفره؛ إلا مَن تذرع بأن هذا القول لُفِّق له لغرض سياسي، وزيدان من تلامذة تلامذة المستشرقين، وماسنيون بعد ما نشر كتاب الطواسين للحلاج، قطع الطريق على كل منافح عن الحلاج بأن الكلام ملفق له!
والشبلي الذي استدل زيدان به صرح أنه خلصه جنونه، وأهلك الحلاج ثبوت الكلام عنه في حال اليقظة، وأما من كان لا يقول هذا إلا في حال السُّكر الصوفي -كما يسمونه-، أو -على الأقل- كان هذا ما يظهره من ادعاء الجنون أو الذهول؛ فقد اكتفت الأمة ببيان أن هذه الأقوال كفر إذا صدرت من معتقدٍ لها، ولذك بذل الجنيد دورًا كبيرًا في منع تداول شطحات البسطامي والشبلي على أنها أقوال صحيحة صادرة من مسلم عاقل).
7- قال زيدان ما ملخصه: واختفى (الشطح) من تاريخ التصوف، بعد القرن الرابع الهجري، بعد ما دفع الصوفية ثمنًا باهظًا للشطحات، تدرَّج من التجاهل التام إلى القتل، فكان من قتلى الصوفية آنذاك -غير الحلاج-: عين القضاة الهمذاني، ومن بعده: شيخ الإشراق، شهاب الدين السهروردي.. وهؤلاء جميعًا دفعوا حياتهم ثمنًا لأقوالهم الشاطحة، أو بعبارة أدق: حُكِم عليهم بالقتل؛ لأنهم تفوهوا بين أهل زمانهم بعبارات مستهجنة.
( قلتُ: بل هي عبارات كفرية، وأفتت بكفر قائليها مجالس قضائية مكونة من جمع من العلماء، وتطبيقها -كما ذكرنا- على الحلاج ومِن بعده السهروردي، دون البسطامي والشبلي؛ يدل على أن قضاة هذه المجالس استفرغوا وسعهم في تطبيق قاعدة درء الحدود بالشبهات).
8- قال زيدان ما ملخصه: قد ارتبط اختفاء الشطح بالتطور التدريجي لأساليب التعبير الصوفي -شعرًا ونثرًاـ، وباستقرار المصطلح الصوفي واللغة الرمزية والمفردات الموحية، وهو ما قاد الصوفية في نهاية الأمر إلى ابتكار نوع أدبي -خاص- شعري ونثري، صار يُعرَف لاحقًا: بالأدب الصوفي.
( قلتُ: بالفعل انزوى التصريح بمثل هذه الأقوال الكفرية تأثرًا بالزجر الذي قوبل به الحلاج، ومِن بعده السهروردي، وتأثرًا بنقد الغزالي للفلاسفة الذين يقولون بقِدَم العالم، أو بالحلول أو الاتحاد، أو وحدة الوجود).
* انتهى ما استعرضه يوسف زيدان لتاريخ التصوف في هذه المقالة، ولكن نضيف إليها ما نشره في مقالة أخرى بنفس السلسلة، والتي كانت بعنوان: "القولُ الخامس: في حقيقة الوحدة وهَـرَم الولاية"، ونتابع ترقيم الفقرات بناءً على ما انتهينا إليه في استعراض ما قاله في المقالة السابقة.
9- قال زيدان ما ملخصه: المهم، أن القول بقدم العالم، يعني انعدام العناية الإلهية بالكون! بل يقطع الصلة بين الله والعالم. وقد قرَّر فلاسفةٌ آخرون -منهم أفلاطون-: أن الله هو (الصانع)، وبالتالي فهو يعتنى بالعالم، بينما قرَّر أرسطو: أن الله يؤثِّر في العالم من دون أن يتأثَّر به! فهو المحرِّك الذي لا يتحرَّك... أما فلاسفة الإسكندرية -وعلى رأسهم: أمونيوس ساكاس، وتلميذه الأشهر (أفلوطين)-، فقد قالوا بنظرية الفيض، التي تقرِّر أن الوجود فيوضات متتالية الصدور عن الواحد (الله).
وفى عموم العقائد المسيحية: فإن الله قد يحلُّ في خَلْقه، مثلما هو الحال في حلول الله في المسيح، وفي عموم الاعتقادات الإسلامية: فإن الله مفارقٌ تمامًا للخَلْق، ولا تماس بينهما ولا حلول ولا اتحاد... ولذلك قُتِل الحلاج في بغداد سنة 309 هجرية؛ لأنه قال عبارات فَهِم منها معاصروه أنه يعتقد بإمكان حلول الله في البشر، أو اتحاده بهم (أو هو على الأرجح قد قُتِل لأسبابٍ سياسية، بذريعة وحجة شرعية).
أما (الوحدة) أي: الاعتقاد بأن الله والكون شيء واحدٌ، فهي فكرة تعود في أصلها إلى الديانات الهندية القديمة، وقد أشير إليها بوضوح في كتب الهندوس المقدسة المسماة (الفيدا) وفي شروحها المسماة (اليوبانيشاد)، كما ظهر (مذهب وحدة الوجود) عند عديد من الفلاسفة والمفكرين، من القدماء والمحدثين، منهم: زينون، وديدرو، والفيلسوف البديع: إسبينوزا.
وعند الصوفية المسلمين، الوحدة هي الفكرة التي تعبِّر عنها عبارة عبد الكريم الجيلي (ما ثَمَّ إلا الله)، وعبارة ابن سبعين الأندلسي (الله فقط)، وعبارة محيي الدين بن عربي (ما في الوجود إلا الله)... وكلها عبارات دالة على أن (ما سوى الله) وَهْمٌ وخيالٌ، وأنه -تعالى- هو المتجلي في كل شيء، وهو حقيقةُ كل شيء؛ ولذلك لا يعرف الصوفية (التكفير)؛ لأنهم أدركوا معنى الآية القرآنية: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) (الإسراء: 44 ) ، ومن هنا قال ابن عربي بيته الشعرى الشهير:
