الصوفية من الزهد إلى الحلول إلى الاتحاد إلى وحدة الوجود ودور المستشرقين في إحياء هذه الأقوال الكفرية (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
المهم أن هذه العبارة هي من عبارات الصوفية، وليست من عبارات رابعة العدوية، ولا شك أن عبادة حب الله هي آكد عبادات القلب، ولكن لا بد معها من خوف ورجاء، وقد قال -تعالى- عن أنبيائه ورسله: ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) (الأنبياء: 90) ، ولكن تخيل أن شخصًا يرى أن العبادة القلبية الرئيسية هي حب الله والشوق إليه، وأن التعبير عن الحب يكون بكثرة الذكر طلبًا للفناء عمَّا سوى الله.
فماذا يمكن أن يحدث له؟
زين الشيطان لكثيرٍ منهم: أن الله أَذِن له يتحدث عنه بصيغة المتكلم، فيقول: "سبحاني سبحاني...! ما أعظم شاني!"، ويرى أن هذا هو غاية المنتهى من العشق الإلهي!
وهي كلمة لا يشك مسلم -بل عاقل- في أنها عين قول فرعون: "أنا ربكم الأعلى"، بل كلمة فرعون التي عدَّ بسببها كافرًا ملعونًا في القرآن كانت أهون، ولكن سرعان ما يفيق القائل من حال الفناء لينكر ما قاله، أو -على الأقل- يفسر بأنه قاله في حال الفناء.
وهذه العبارات التي يتكلم فيها الشخص عن الله -عز وجل- بصيغة المتكلم في حال الفناء الناشئ عن تجربة صوفية، والتي يرجع عنها إلى حالة الصحو يسميها الصوفية: "شطحات" (وهذا يعني أن كلمة شطحات في اصطلاحهم ليست كل الأخطاء، بل هي خاصة بالكلام عن الله -عز وجل- بصيغة المتكلم مع باقي الشروط).
وأما إذا قالها حال الصحو، أو ثبت عليها بعد الرجوع من الفناء إلى حالته الطبيعية، والتي يسمونها: "البقاء" (أي: البقاء في قيد جسده)، فحينئذٍ سيعتبر معتقدًا لما يقول، وهذا كفر لا خفاء فيه، ومِن ثَمَّ توصل الصوفية إلى الدفاع عن شطحات رموزهم، بأنها قيلت في حالة الفناء، لا في حالة البقاء.
ومن أوائل من رصد عليهم شطحات بوضوح وبغزارة: أبو اليزيد البسطامي، ولكن يعتذر عنه معظم المؤرخين بأن كثيرًا منها مكذوب، كما نقل الشيخ عبد الحليم محمود ذلك عن الهروي، وعن الذهبي، أو أنها في حالة السكر أو الفناء، وهو إنما يجب أن يحاكم إلى ما يقوله في حال البقاء، وذكر الشيخ عبد الحليم محمود شيئًا من الأقوال التي دعا فيها البسطامي إلى اتباع السنة، فقال: "إنه سُئِل عن الصوفي فقال: هو الذي يأخذ كتاب الله بيمينه، وسنة رسوله بشماله، وينظر بإحدى عينيه إلى الجنة وبالأخرى إلى النار، ويتزر بالدنيا ويرتدي بالآخرة، ويلبي من بينها للمولى: لبيك اللهم لبيك" (كتاب أبو اليزيد البسطامي، ص 50) . ثم عقد فصولًا لعبادته وجهاده وحسن خلقه.
الحلاج وعقيدة حلول كتلك التي اعتقدها النصارى في عيسى -عليه السلام-:
يرى البعض أن الحلاج صاحب شطحات مثل أبي اليزيد البسطامي، وفي الواقع: إن الأمر ليس كذلك، فالحلاج ادعى أن الله اختاره كناسوت يحل فيه لاهوته، وبالتالي فقد ادعى في نفسه عقيدة كفرية كتلك التي يعتقدها النصارى في شأن عيسى -عليه السلام-.
والأدلة على ذلك كثيرة...
- فلو استصحبنا ما نعلمه الآن عنه بعد نشر المستشرق ماسينيون لكتابه: "الطواسين"، فإن هذا يثبت عليه التهمة تمامًا، وإن تعجب؛ فأعجب ما تجده: حال هؤلاء الذين يجمعون بين نفي التهمة عن الحلاج، والفخر بأنه موضع تقدير من المستشرقين؛ لا سيما ماسينون، فهو لم يصبح موضع تقديرهم إلا بأقواله الكفرية التي ينفيها عنه هؤلاء المدافعون!
- وكذا فإن الجنيد "وهو معاصر للحلاج"، وأبا اليزيد، والشبلي وإن كان ترتيب وفياتهم كالتالي: (أبو اليزيد البسطامي، ثم الجنيد، ثم قتل الحلاج، ثم وفاة الشبلي)، والجنيد موضع ثناء من كبار أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، والصوفية يؤكدون على أنه كان رجل صحو، وليس رجل فناء، ومن أراد منهم البراءة من مسالك الصوفية في عقيدتهم، كان ينسب نفسه للجنيد.
والخلاصة: أن الجنيد تصدَّى لشطحات البسطامي، والشبلي، بصدِّ الناس عنها، وتأويلها بأنها تصدر عنهم في حال عدم وعي.
ويقولون: إن الحلاج حاول أن ينتزع منه ثناءً عليه، ولو مقيدًا كالذي أثنى به على أبي اليزيد، فأعرض عنه الجنيد، وهذا لا يكون إلا لكونه عَلِم أن أمره أسوأ من هذا.
- ونفس الأمر ينطبق على شيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله-، والذي غالبًا ما بنى موقفه من معاصري الجنيد على موقف الجنيد منهم.
محاكمة الحلاج واستتابته وقتله:
في النهاية تمت محاكمة الحلاج واستتابته وقتله، واندثرت بمقتل الحلاج دعوته، وكان من أسباب اندثار هذا: أن الغزالي -رحمه الله تعالى- قد حمل حملة شديدة على كلٍّ مِن: الفلاسفة، والباطنية، والتي تلتقي أقوالهم مع الحلاج؛ سواء كان الحلاج قد نَقَل عنهم، أو وسوس له الشيطان بذات ما وسوس لهم به، واستمر الأمر كذلك حتى جاء السهروردي المقتول "ت 549هـ" -(يعرف تاريخيًّا باسم: السهروردي المقتول؛ تمييزًا له عن سهروردي صوفي آخر، ولكنه ليس من القائلين بالحلول والاتحاد، وهو السهروردي البغدادي "ت 632هـ")-؛ فأظهر السهروردي ما أظهره الحلاج حتى أمر صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- بمحاكمته، وتمت استتابته وقتله.
بعد السهروردي وفي خضم انشغال الأمة لما حل بها من كوراث، خرجت مجموعة جديدة ممَّن تكلموا بهذه الكفريات، ونَحَوْا بها نَحْوَ الاتحاد العام بين جميع الخلق وبين الله، أو الزعم بأن وجود كل المخلوقات هو عين وجود الله بخلاف الحلاج الذي زعم حلولًا واتحادًا خاصًّا من الله بجسده -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-، وعُرِف هؤلاء بدعاة وحدة الوجود؛ منهم: ابن الفارض (ت 632هـ)، وابن عربي (ت 638هـ)، وابن سبعين (ت 669هـ)، وجلال الدين الرومي (ت 672هـ)، والعفيف التلمساني (ت 690هـ)، وعبد الكريم الجيلي (ت 826).
وقد فنَّد ابن تيمية أقوال مَن سبقه أو عاصره منهم، وبيَّن الفرق بينهم وبين أصحاب الشطحات كأبي اليزيد البسطامي، وبين من أخذ منهم عن الفلاسفة، وعمَّن أخذ بالضبط، فوافقه على تكفيرهم بعض كبار مخالفيه: كالسبكي، ودافع البعض عنهم كأشخاصٍ؛ متذرعًا بأن الكلام مدسوس عليهم، أو غيره من الاعتذارات التي تتضمن استفحاش الكلام، ومِن هؤلاء: السيوطي الذي كان خلاصة كلامه في ابن عربي "أنه خاصة الأولياء، ولكن يحرم النظر في كتبه".
