غزة رمز للعزة (16) إسرائيل تستهدف وكالة الأونروا وقوات حفظ السلام
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وتأتي هذه المحاولات الإسرائيلية بغرض الالتفاف حول الإطار القانوني الدولي المتاح لحماية اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي نسيان أو تجاهل هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين كأشخاص محميين بموجب القانون الدولي؛ إذ إن مجرد وجود هذه الملايين من الفلسطينيين اللاجئين يعد دليلاً جليًّا وشاهدًا باقيًا على استعمار إسرائيل لأرض فلسطين التاريخية، وعلى ممارسة التهجير القسري للفلسطينيين، وعلى سياسة الفصل العنصري الذي تمارسه إسرائيل ضد أصحاب الأرض الأصليين.
وقد أوقفت الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأكبر لإسرائيل والممول الأكبر للأونروا، تمويلها للوكالة الدولية، والذي يبلغ نحو 365 مليون دولار سنويًّا، وكذلك أوقفت سويسرا وهولندا تمويلهما بشكل دائم في عام 2019، وتعد دولة الإمارات خامس أكبر دولة مانحة للدعم للوكالة، حيث مولت الإمارات الوكالة في عام 2019 نحو 51.8 مليون دولار.
وقد تعرضت الوكالة في ظل أزمة كورونا إلى ضائقة مالية في عام 2020 بتأخر بعض الدول الأوروبية عن التمويل، فلم يعد لدى الوكالة ما يكفي لتسديد رواتب موظفيها، والذي بلغ عددهم 28 ألف موظف، مما هدد بتقويض قدرة الوكالة على الاستمرار في أداء مهامها وأنشطتها؛ لذا لجأت إلى تقليص عدد العاملين بها وأوقفت أعمال الصيانة والترميم في البنية التحتية، واضطرت إلى زيادة ازدحام الطلاب في مدارس الأونروا؛ فصار هناك معلم لكل 50 طالبًا وطالبة، مع تقليص المساعدات الإنسانية التي تقدَّم للاجئين.
مذبحة قانا اللبنانية عام 1996:
وقعت هذه المذبحة في بلدة (قانا) اللبنانية في 18 إبريل 1996 خلال العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، والذي بدأ في 11 إبريل 1996، واستمر حتى 27 إبريل من نفس العام. وكانت إسرائيل قد اجتاحت لبنان قبلها في أعوام 1978 و1982 و1993، وفي هذا الاجتياح في عام 1993، تم التوصل إلى تفاهم بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي على عدم التعرض للمدنيين، ولكن مع تزايد أعمال المقاومة المسلحة من حزب الله ضد القوات الإسرائيلية المحتلة لجنوب لبنان، خرقت إسرائيل التفاهم وشرعت في مهاجمة المدنيين والعسكريين في عمليات محدودة، ثم تطور الأمر باجتياح إسرائيلي جديد للبنان في عام 1996، وهو الاجتياح الذي نفذت فيه الطائرات الإسرائيلية حوالي 1500 طلعة جوية؛ أي: بمعدل 89 طلعة جوية يوميًّا، وأطلقت أكثر من 32 ألف قذيفة مدفعية؛ أي: بمعدل 1882 قذيفة مدفعية يوميًّا؛ هذا رغم صغر حجم القطاع المستهدف، وهو جنوب لبنان والبقاع الغربي (راجع: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، د. عبد الوهاب المسيري - طبعة دار الشروق - الطبعة الخامسة 2009، المجلد الثاني، ص 439) .
ومع شدة وضراوة العدوان الإسرائيلي، لجأ الكثير من المدنيين اللبنانيين إلى مقرات قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام المتواجدة في جنوب لبنان للاحتماء بها والهروب من القصف الإسرائيلي، ومن بين هذه المقرات، كان هناك مقر لكتيبة تابعة لقوات الأمم المتحدة في بلدة (قانا)؛ فقامت قوات الاحتلال الإسرائيلية بقصف مدفعي للموقع، الذي كان يضم نحو 800 لبناني، وذلك بعد الساعة الثانية ظهرًا بقليل، طبقًا للتوقيت المحلي؛ مما أسفر عن مقتل 110 من اللبنانيين المدنيين العزل في تلك المذبحة البشعة، كما أصيب أربعة من جنود الأمم المتحدة بجروح، وحدثت أضرار واسعة النطاق.
وكانت هذه الحادثة هي الأولى من نوعها التي تقصف فيها قوات أممية وُجِدت لحفظ السلام في المنطقة، وهي أخطر شأنًا من الأحداث الأخرى؛ لأن مدنيين -منهم نساء وأطفال- قد لجأوا إلى مجمع الأمم المتحدة في قانا ظنًّا أو اقتناعًا منهم بأنهم في حماية قوات الأمم المتحدة.
وقد تداولت وسائل الإعلام العالمية مشاهد وصور المذبحة البشعة؛ فكان الأمر بمثابة فضيحة كبرى لإسرائيل أمام العالم!
ونظرًا لخطورة هذا الأمر: رفع د. بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة وقتها، تقريرًا إلى مجلس الأمن، وأرفق به التقرير المقدم من المستشار العسكري للأمين العام للأمم المتحدة. ويتبين من التقرير: أن نسق سقوط القذائف في منطقة قانا يجعل من غير المرجح أن يكون قصف مجمع الأمم المتحدة نتيجة لأخطاء تقنية أو إجرائية (راجع في ذلك كتاب: المسكوت عنه في مذبحة قانا، إعداد د. عبد الحميد صالح حمدان، طبعة دار الغد العربي - ط. أولى - ديسمبر 1996، ص 29-31، 44-47) .
وكالعادة، سارعت إسرائيل إلى اختلاق الأكاذيب الواهية لتبرير ما فعلت والتنصل منه؛ فسارعت إسرائيل بالإعلان أن قصف الموقع تم عن طريق الخطأ، ولكن الأدلة بعد التحقيقات دلت على كذب ذلك الادعاء؛ إذ وجد تصوير للموقع والمنطقة المحيطة به أثناء ظهور لقطة توضح وجود طائرة استطلاع إسرائيلية بدون طيار تستخدم في توجيه المدفعية، وهي تحلق فوق الموقع أثناء القصف المدفعي؛ بالإضافة إلى ما ذكره شهود عيان من العاملين في الأمم المتحدة بأنهم شاهدوا طائرتين مروحيتين بالقرب من الموقع المنكوب.
- ومن جانبه، علَّق (شيمون بيريز) رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها قائلًا: "إنها فضيحة أن يكون هناك 800 مدني يقعون أسفل سقف من الصاج ولا تبلغنا الأمم المتحدة بذلك!"؛ فجاء الرد سريعًا وصريحًا؛ إذ أعلن مسؤولو الأمم المتحدة أنهم أخبروا القوات الإسرائيلية مرارًا بوجود تسعة آلاف لاجئ مدني يحتمون بمواقع تابعة للأمم المتحدة، كما أعلنوا أمام العالم أجمع أن القوات الإسرائيلية وجهت نيرانها تجاه قوات الأمم المتحدة الدولية وتجاه منشآت الأمم المتحدة 242 مرة خلال تلك الفترة، وأنهم نبهوا القوات الإسرائيلية إلى اعتدائها على موقع القوات الدولية في قانا أثناء القصف (راجع المصدر السابق) .
