شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عزة رمز للعزة (18) (نتن ياهو بين الإرهاب وجرائم الحرب) (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

- تغير نظرة الرأي العام الغربي مع مرور الوقت للعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة من التعاطف مع إسرائيل إلى الانكار عليها، كرد فعل على تجاوزات كثيرة غير محسوبة وغير مسؤولة ترتكبها حكومة نتنياهو في تعاملها مع الأوضاع، والتي بلغت صورة غير مسبوقة تنم عن المبالغة في التشفي والانتقام من سكان قطاع غزة المدنيين العزل، والتي تجاوزت استخدام الأسلحة المحرمة دوليا وارتكاب جرائم الحرب اليومية إلى ممارسة أعمال الإبادة الجماعية لشعب غزة، والضغط عليه لإجباره على الهجرة القسرية أو الطوعية، والعمل على إخلاء القطاع بتدمير كل أشكال الحياة فيه من خلال هدم كل الأبراج والمباني السكنية والمنشآت، وكل المدارس والجامعات في القطاع التعليمي، وكل المستشفيات والوحدات الصحية في القطاع الصحي، وقطع إمدادات القطاع من الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية والمساعدات الطبية؛ أي: استخدام التجويع والحصار الشامل كسلاح في المعركة، والهدم الكامل للبنية التحتية بالقطاع، وتحويله إلى منطقة منكوبة لا تصلح للحياة، كسلاح لفرض التهجير وإجبار الفلسطينيين على ترك ديارهم وأرضهم ووطنهم.

- وأخيرًا -وليس آخرًا-: إعادة الحياة للقضية الفلسطينية من جديد وإعادتها للصدارة دوليًّا، والتفاف الأمتين العربية والإسلامية حولها، ودفع شعوب العالم شرقًا وغربًا إلى التعاطف مع الشعب الفلسطيني لدفع الظلم عنه وتأييد إقامة دولته المستقلة، وجر إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية، وإدانتها لقادتها، واحتمالية إصدار قرارات دولية بشأن اعتقال بعضهم، ومنهم نتن ياهو نفسه، وتقديمهم للمحكمة الجنائية الدولية.

- ومما يزيد الأمر سوءًا صلابة المقاومة الفلسطينية وثبات قادتها رغم شدة الضربات الموجهة إليها، وكذلك صمود شعب غزة وتمسكه بأرضه ووطنه رغم كل المعاناة التي يعانيها، بل وانخراط الأجيال الجديدة من الفلسطينيين في الصراع، مما جعل المقاومة الفلسطينية أقوى وأشرس، خاصة مع توحد صفوفها والتنسيق بينها في مواجهة العدو، لتكبده خسائر فادحة لم يكن يتوقعها بحال من الأحوال. فالصورة العامة تشير إلى أن الفلسطينيين لا يكترثون بحجم الخسائر البشرية والمادية؛ لأنهم دائمًا مهددون بالموت تحت الحصار والتجويع والاغتيالات والقمع والاعتقال عبر عقود، فلم يعد لديهم مزيد يخسروه، لكن في هذه المرة لا يدفعون الثمن وحدهم بل يدفع معهم الشعب الإسرائيلي هذا الثمن.

إن هذا كله كان كفيلًا بإدراك قادة الكيان الصهيوني بأن القضاء على المقاومة الفلسطينية صعبٌ جدًّا -إن لم يكن مستحيلًا- في ظل وجود مبررات استمرارها، وهو الاحتلال الصهيوني الغاشم للأراضي الفلسطينية. إن هاجس زوال دولة الاحتلال وعدم قدرتها على تجاوز العقد الثامن من عمرها كما وقع عبر التاريخ اليهودي من قبل أصبح لا يغيب عن ذهن قادة إسرائيل، بما فيهم نتن ياهو نفسه؛ فهو الذي قال في وقت سابق: إنه يجب العمل على ضمان استمرارية إسرائيل لمدة 100 عام مشيرًا إلى أنه لم يحدث في التاريخ أن استمرت دولة لليهود أكثر من 80 عامًا.

ولعل هذا يفسر ما كشفت عنه الأحداث الأخيرة أن معظم الإسرائيليين يحملون جنسيات أخرى أجنبية لم يتخلوا عنها رغم الهجرة والإقامة الدائمة في إسرائيل؛ لأنهم غير واثقين في أن دولتهم ستبقى وتدوم، وكأنهم يتوقعون يومًا ما هو قدر مكتوب سيفرون فيه من إسرائيل.

وفي المقابل: فإن المقاومة الفلسطينية صامدة متواصلة، كانت هذه المقاومة قبل ظهور حماس وستستمر حتى -لا قدر الله- إن زالت حماس، خاصة في ظل العناد والكبر والغطرسة التي تمارسه حكومة نتن ياهو وتتبناه الأحزاب المتطرفة هناك وتدعمه الحكومة الأمريكية وحكومات دول غرب أوروبا، مع عدم وجود أي إمكانية للحل السياسي للقضية الفلسطينية في الأفق القريب؛ هذا في الوقت الذي تطارد تهم الفساد نتن ياهو، وهي المطاردة التي هدأت حدتها مؤقتا في انتظار ما ستسفر عنه العمليات العسكرية في قطاع غزة.

تورط نتن ياهو في تهم فساد:

عانى نتن ياهو على مدى العام السابق لعملية طوفان الأقصى من مظاهرات عارمة بشكل شبه يومي في تل أبيب داخل إسرائيل تستنكر رغبته في إجراء تعديلات قانونية تسمح له عند الأخذ بها بالإفلات من العدالة بسبب قضايا فساد مالي تورط فيها هو ونجله. كانت مطالب المتظاهرين التراجع عن مخططات تعديل القوانين السارية، بل والمطالبة بإقالة نتن ياهو من منصبه، وإحالته للقضاء بتهم الفساد الموجهة إليه ولنجله؛ وهي المظاهرات التي هدأت وتيرتها في انتظار انتهاء القتال مع حماس والمقاومة الفلسطينية.

تخفي نتن ياهو خلف حكومة الطوارئ:

شكل نتن ياهو مع وزراء اليمين المتطرف في حكومته في أكتوبر 2023 حكومة طوارئ مصغرة (الكابنيت) لتتولي إدارة شئون الحرب في قطاع غزة وتتحمل بالتالي نتيجتها؛ كان خيار حكومة طوارئ مصغرة هو الاختيار الأفضل لنتن ياهو حتى لا تنهار حكومته الائتلافية اليمينية بعد أن اصطدم بمقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة تضم الائتلاف اليميني الحاكم ومعه المعارضة لإدارة شئون البلاد خلال الحرب مع حماس.

وتحرص حكومة الطوارئ منذ تكوينها على منع نشر أي تفاصيل تتعلق بالمناقشات داخلها، خاصة في ظل الخلافات والفضائح المثارة داخلها، والتي تدل على غياب الرؤية المتفق عليها للحكومة في التعامل مع الأوضاع الجارية، ويوظف نتن ياهو هذه الحكومة المصغرة لتحقيق ما يريد من خلال ضمه المقربين منه ومنع واستبعاد خصومه والمخالفين له، ويضم الكابنيت أحد عشر وزيرًا؛ كما يضم رؤساء الأحزاب التي يتشكل منها الائتلاف الحاكم لضمان استمرارهم في الائتلاف الحاكم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية