غزة رمز للعزة (21) إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية (3-3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ووفقًا للمادة 41 من نظام المحكمة والمواد 73 و74 و75 من قواعد المحكمة تطلب جنوب إفريقيا من المحكمة تحديد إجراء -أو إجراءات- عاجلة مؤقتة، ممكنة وكاملة وكافية لحماية حقوق الفلسطينيين في غزة، الذين مازالوا معرضين لخطر جسيم ومباشر باستمرار أعمال الإبادة الجماعية المتزايدة ضدهم. فللفلسطينيين كمجموعة حقهم في الوجود وحقهم في الحماية الكاملة من أعمال الإبادة الجماعية ومخاطرها، ومن التآمر ضدهم لارتكاب الإبادة الجماعية، ومن التحريض العلني المباشر وغير المباشر على ارتكاب الإبادة الجماعية ضدهم، ومن محاولة الإبادة الجماعية لهم، ومن الشراكة ضدهم في أعمال الإبادة الجماعية.
وعملًا بالمادة 74 (4) من لائحة المحكمة تطلب جنوب إفريقيا من رئيس المحكمة أن يحمي الشعب الفلسطيني في غزة من خلال الوقف الفوري للهجمات العسكرية التي تشكل أو تؤدي إلى انتهاكات لاتفاقية منع الإبادة الجماعية ريثما تعقد جلسة الاستماع العاجلة للدعوى المقامة ضدها أمام محكمة العدل الدولية، لتمكين أي أمر قد تصدره المحكمة بشأن طلب اتخاذ التدابير المؤقتة من أن يكون له آثاره المناسبة.
ومن أجل تحقيق هذه الغاية ينبغي على المحكمة أمر إسرائيل بالكف عن القتل والتسبب في أذى جسدي وعقلي خطير للفلسطينيين في غزة، والكف عن فرض ظروف معيشية متعمدة تهدف إلى تصفيتهم جسديًّا، ومنع ومعاقبة الإسرائيليين القائمين بالتحريض المباشر والفعلي على الإبادة الجماعية وإلغاء السياسات وكل الممارسات ذات الصلة، بما في ذلك ما يتعلق بتقييد المساعدات لقطاع غزة وإصدار توجيهات الإخلاء.
وتعد من سلطة المحكمة الدولية العليا تحديد إجراءات مؤقتة عندما يمكن أن يلحق ضررًا لا يمكن إصلاحه بالحقوق التي هي موضوع الإجراءات القضائية، أو عندما يمكن أن يترتب على التجاهل المزعوم لمثل هذه الحقوق عواقب لا يمكن إصلاحها، بمعنى وجود فعلي لخطر حقيقي -أو وشيك- يلحق ضررًا لا يمكن إصلاحه قبل أن تصدر المحكمة مستقبلًا حكمها النهائي في القضية.
ولذلك جاء في دعوى جنوب إفريقيا أن هناك خطرًا واضحًا بالضرر الذي لا يمكن إصلاحه تجاه حقوق الفلسطينيين، ولحقوق جنوب إفريقيا الخاصة بموجب الالتزام بالعمل على تنفيذ اتفاقية منع الإبادة الجماعية، والإلحاح الشديد للوضع واضح ذاتيًّا: الفلسطينيون عانوا ويعانون من ضرر لا يمكن إصلاحه من الأعمال الإبادية التي ترتكبها إسرائيل بمخالفة المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية، ومن انتهاكات إسرائيل الأخرى للاتفاقية، بما في ذلك فشلها في منع أو معاقبة التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية، وأنه إذا ظلت هذه الانتهاكات لاتفاقية الإبادة الجماعية دون رادع، فليس هناك فقط مجرد خطر بل هناك يقين من المزيد من الخسائر البشرية والممتلكات التي لا يمكن إصلاحها والإصابات الخطيرة وأزمة إنسانية متعمقة أكثر، كما ستتأثر بشكل خطير فرصة جمع وحفظ الأدلة لمرحلة الجوهر في الإجراءات إن لم تفقد تماما.
وقد جاء أيضًا في الدعوى مطالبة جنوب إفريقيا: بأنه يجب على إسرائيل تقديم تقرير إلى المحكمة عن جميع التدابير المتخذة لتنفيذ هذا الأمر خلال أسبوع واحد اعتبارًا من تاريخ هذا الأمر، وبعد ذلك بفترات منتظمة، حتى يتم إصدار القرار النهائي في القضية من قبل المحكمة. (للاستزادة في هذا الموضوع: راجع النص العربي الكامل لدعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل العليا) .
ما بين جهود جنوب إفريقيا وتعنت الولايات المتحدة:
لا يعد غريبًا على دولة مثل جنوب إفريقيا أن تقف في جانب شعب فلسطين تنصره بقوة؛ لأنها دولة عانت لعقود طويلة من الاضطهاد والعنصرية الذي مورس ضد سكانها الأصليين، من جانب الاستعمار الهولندي ثم من جانب الاستعمار البريطاني، ذاقت خلالها ألوانًا من العذاب والتحقير والتمييز العرقي حتى تمكنت بعد معاناة شديدة من استرداد حقوقها السليبة؛ ولهذا تقدمت جنوب إفريقيا بدعواها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي في هولندا في 29 ديسمبر 2023.
وقد لجأت جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية وليس إلى محكمة الجنايات الدولية رغم أن المحكمة الجنائية لها قدرة على تنفيذ أحكامها بينما أحكام محكمة العدل الدولية غير ملزمة التنفيذ؛ لأن محكمة الجنايات الدولية رفضت برئاسة مدعيها العام استلام دعوى جنوب إفريقيا، رافضة إدانة إسرائيل أو الإقرار بما ترتكبه من جرائم حرب، فكان اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، والتي سيعد قرار إدانتها لإسرائيل المتوقع صدوره منها دليل إثبات دولي بأن ما ترتكبه إسرائيل هي جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة يجرمها القانون الدولي.
وقد أعلنت تركيا عبر وزير خارجيتها يوم 3 يناير 2204 عن تأييدها ومساندتها لدعوى جنوب إفريقيا، وانضمت للدعوى أيضا ماليزيا وكولومبيا وبوليفيا.
وقد قابل قادة إسرائيل التصرف الجريء من جنوب إفريقيا بنوع من الترقب والقلق من إمكانية صدور قرار يدين إسرائيل دوليًّا، وقامت إسرائيل باستنكار الأمر واستهجانه قبل النظر فيه كعادتها، بل واتهمت جنوب إفريقيا بمساندة منظمة إرهابية، أي منظمة حماس وبمعاداة السامية، وكالعادة سارعت الولايات المتحدة بتبني الدفاع عن ربيبتها إسرائيل، فزعمت أن الدعوى لا أساس لها من الصحة ولا تستند إلى حقائق!
وبدأ التهديد والوعيد الأمريكي الإسرائيلي لقضاة المحكمة مسبقًا؛ لمنع صدور أي قرارات إدانة منهم. في الوقت الذي أعلنت فيه ألمانيا والنمسا انضمامهما للفريق القانوني الإسرائيلي أمام المحكمة.
