شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المطالبة بجعل الزنا من جرائم البلاغ في قانون الإجراءات الجنائية.. المبررات ومناقشة الاعتراضات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

قال ابن رجب -رحمه الله- بعد أن ساق جملة من الأحاديث الدالة على ستر صاحب المعصية وعدم فضحه: (واعلم أنَّ النَّاس على ضربين: أحدهما: من كان مستورًا لا يُعرف بشيءٍ مِنَ المعاصي، فإذا وقعت منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفها، ولا هتكُها، ولا التَّحدُّث بها؛ لأنَّ ذلك غيبةٌ محرَّمة، وهذا هو الذي وردت فيه النُّصوصُ، وفي ذلك قد قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (النور: 19) . والمراد: إشاعةُ الفَاحِشَةِ على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتُّهِمَ به وهو بريء منه، كما في قصَّة الإفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمرُ بالمعروف: اجتهد أن تستُرَ العُصَاةَ، فإنَّ ظهورَ معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحدٍّ، ولم يفسِّرْهُ، لم يُستفسر، بل يُؤمَر بأنْ يرجع ويستُر نفسه، كما أمر النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ماعزًا والغامدية، وكما لم يُستفسر الذي قال: ( ‌أَصَبْتُ ‌حَدًّا ‌فَأَقِمْهُ ‌عَلَيَّ ) (متفق عليه) . ومثلُ هذا لو أخذَ بجريمته، ولم يبلغِ الإمامَ، فإنَّه يُشفع له حتّى لا يبلغ الإمام. وفي مثله جاء الحديثُ عَنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَقِيلُوا ‌ذَوِي ‌الْهَيْئَاتِ ‌عَثَرَاتِهِمْ ). خرَّجه أبو داود والنَّسائي مِن حديث عائشة.

والثاني: مَن كان مشتهرًا بالمعاصي، معلنًا بها لا يُبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيل له، فهذا هو الفاجرُ المُعلِنُ، وليس له غيبة، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البصريُّ وغيره، ومثلُ هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لِتُقامَ عليه الحدودُ، صرَّح بذلك بعضُ أصحابنا، واستدلَّ بقولِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌وَاغْدُ ‌يَا ‌أُنَيْسُ ‌عَلَى ‌امْرَأَةِ ‌هَذَا، ‌فَإِنِ ‌اعْتَرَفَتْ ‌فَارْجُمْهَا )، ومثلُ هذا لا يُشفَعُ له إذا أُخِذَ، ولو لم يبلغِ السُّلطان، بل يُترك حتّى يُقامَ عليه الحدُّ؛ لينكفَّ شرُّه، ويرتدعَ به أمثالُه. قال مالك: من لم يُعْرَفْ منه أذى للناس، وإنَّما كانت منه زلَّةٌ، فلا بأس أنْ يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ أو فسادٍ، فلا أحبُّ أنْ يشفعَ له أحدٌ، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحدُّ، حكاه ابن المنذر وغيره..." (جامع العلوم والحكم، 1/341) .

وهاهنا نحن نرى كيف أن الإمام ابن رجب -رحمه الله- بالغ في الترغيب في الستر مع من يرجى منه التوبة حتى أوهمت عبارته وجوب الستر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاتب من أغرى ماعز بالاعتراف فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ ‌سَتَرْتَهُ ‌بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وقال الألباني: "صحيح لغيره") .

الشاهد: أن الاستحباب في هذه الحالة متأكد ومتقرر، وهو لا ينافي إعلام الخلق بالعقوبة (وتقريرها كقانون) لا سيما في الأنظمة التي تنص على كتابة الجرائم على وجه الحصر في قانون. وأيضًا تطبق الأجهزة العامة -وهي الآن الشرطة والنيابة والقضاء (وبالأخص القضاء)- العقوبات المقررة، ولا يشرع لها خيار الستر حينئذٍ.

11- لقد حاول معظم شراح القانون الوضعي أن يعللوا لواضعي قانون 1938 أنهم انطلقوا من معنى نابع من الشريعة الإسلامية، مع أن النص مأخوذ كما بين حكم المحكمة الدستورية من قانون 1883 الذي كان ترجمة حرفية للقانون الفرنسي.

المهم أنهم قالوا: إن القانون لما جعل جريمة الزنا جريمة شخصية قد أعطى الزوج الفرصة في عدم انهيار الأسرة إن رضي بمعاشرة زوجته رغم ما تلبَّست به. (وبالطبع الزوج ولا أحد إلا الزوج بناءً على أنهم لا يسمون العلاقة الجنسية زنا إلا في حالة المتزوج أو المتزوجة بالشروط التي ذكروها كما نوهنا مرارًا).

أ- ولم يبيِّن لنا شراح القانون: هل من الشريعة إسقاط حق المجتمع تمامًا في حالة الأسرة التي تلبس فيها كلٌّ من الطرفين بالفجور بعد ما نص على أنه يسقط حق كل منهما؟

ب- ذكر هذا الكلام في معرض سن القانون غير ملائم؛ فكما قدمنا يجب أن يتضمن القانون التجريم والعقوبة ووسائل المجتمع في إبلاغ السلطة حال وجود الجريمة، ويبقى كل من اطلع على الجريمة أمامه الخيار (الذي ينبغي أن يكون مبنيًّا على مصلحة المجتمع): هل يكتفى بوعظ المخطئ؟ أم يبلغ السلطات؟

وجريمة الزوجة إذا كانت الجريمة سرية ولم تثبت لا أمام النيابة ولا أمام الناس، واطلع عليها الزوج وحده؛ جاز له أن يستر عليها ويمسكها إذا غلب على ظنه توبتها، وليس لاشتراكهما في الفجور كما تنص القوانين الوضعية.

ج- أما إذا علمت به النيابة (وهذا لا يكون في جرائم الزنا إلا بمجاهرة فاحشة كما يحدث في زماننا في وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها) أو بشهادة شهود وهم لا يشاهدون الزنا -الذي هو الزنا شرعًا- إلا في حالات الاستهتار البالغ، ومع هذا فالقانون لم يعمل الشرط الشرعي لإثبات الزنا بالشهود، وهو أن يشهد أربعة شهود (علمًا بأن الزوج قد يتقدم بشكوى ضد زوجته، ويقدِّم شهودًا وتعتد بهم المحكمة وهم دون أربعة شهود).

المهم متى انتقلت الجريمة إلى هذه الدرجة من الشيوع فلم تعد جريمة في حق الزوج ليقدِّر هو وحده مدى قابلية زوجته للتوبة، فضلًا عن أن يقايضها فجورًا بفجور، ومِن ثَمَّ يسقِط القانون الوضعي الجريمة عن كلٍّ منهما!

12- خلاصة المآخذ على تعامل القانون الوضعي مع جريمة الزنا:

1- اعتبار أن الأصل في العلاقة الجنسية الإباحة، ومنعها في أحوال لأسباب يدور معها المنع وجودًا وعدمًا، وسميت كل جريمة من هذه الجرائم باسمٍ؛ مثل: الدعارة، والتحريض على الفسق والفجور.

2- من بين هذه الجرائم التي يمنع فيها القانون العلاقة الجنسية: العلاقة الجنسية من متزوج دون رضا الطرف الآخر، ودون تورطه في نفس الجريمة، وهذه خصها القانون بوصف "الزنا"، وهو ما يسبب لبسًا شديدًا لدى مَن يقرأ القانون.

الصفحة السابقة الصفحة التالية