المطالبة بجعل الزنا من جرائم البلاغ في قانون الإجراءات الجنائية.. المبررات ومناقشة الاعتراضات
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
3- ترتب على هذا التساهل بإثباتها؛ فتم إثبات تلك التهمة المسماة: زنا "بوجود رجل في مكان الحريم"، وهذا قد يكون مقبولًا لإثبات ما يسمى بعدم الوفاء للزوج، ولكن تسمية ذلك زنا وهي كلمة لها دلالتها المستقرة عند المسلمين، مع أن الشرع لا يثبت الزنا إلا بأربعة شهود يرون المواقعة بين الطرفين، وليس مجرد مقدمات الزنا أو توابعه.
4- ترتب على هذا جعل هذه الجريمة شخصية، وهذا يعني أمرين متلازمين:
- غل يد النيابة عن تحريك الدعوى.
- عدم الإذن لمن يعلم بالجريمة أن يقدم فيها بلاغا.
5- لو أننا تجارينا مع القانون في اعتبار أن هذه جريمة شخصية، ولكن نص القانون يجعل أنها متى كانت جريمتين لكلٍّ من: الزوج والزوجة فقد تلاشيا، وهاهنا الطامة الكبرى! ونحن نعلم بالاضطرار أن مثل هذه الأسرة التي يتبادل ويقدِم فيها كلٌّ من: الزوج والزوجة على الزنا تميل إلى الاستهتار والاستعلان؛ فنجد أن الزوجة يأتيها عشيقها جهارًا نهارًا، والزوج يصطحب عشيقاته كذلك.
وهنا بدلًا من أن يعتبر القانون أن هذه الحالة على الأقل جريمة في حق المجتمع ألغى التجريم بالكلية والعياذ بالله!
فهذه الحالة وغيرها، مثل كون الزوج هاربا من الإنفاق على زوجته، وهي تستثمر غيابه في الفجور، فمن أين نأتي به ليمنع عنا أذى زوجته؟ ومثل الزوج العربيد الذي يقهر زوجته، فمن أين لها أن تكون هي من تقاضيه؟
13- مقترح حزب النور بجعل جريمة الزنا جريمة بلاغ.
مما سبق يتضح: أن "قانون العقوبات" قانون موضوعي، وأن "قانون الإجراءات الجنائية" هو قانون إجرائي يخدم قانون العقوبات.
وبالتالي فالآفة الرئيسية هي في قانون العقوبات وجذوره الفرنسية، وأن قانون العقوبات اعتبر أن الزنا منحصر في علاقة جنسية يقيمها شخص متزوج دون رضا الطرف الآخر، ودون أن يتلبس هو الآخر في هذه الجريمة، وبالتالي عدها القانون الفرنسي من الجرائم الشخصية، ومِن ثَمَّ عَدَّها من "جرائم الشكوى" في قانون الإجراءات الجنائية.
والتعديلات المطروحة في البرلمان الآن تتعلق بقانون الإجراءات الجنائية ومحاولة إصلاح خطأ في الفرع (الذي هو الإجراءات الجنائية) دون إصلاح الخطأ في الأصل الذي هو قانون العقوبات؛ تبدو عملية شاقة، بل شبه مستحيلة، بل مستحيلة إذا كنت تطلب من ورائها كلامًا موافقًا للشريعة من كل وجه، ومن ثَمَّ فهل نترك القانون يخرج بعوار تشريعي مخالف للشريعة، فتكون سابقة لإصدار نص قانوني جديد مخالف للشريعة؟ حتى لو كان مستفادًا من نص سابق بعد ما تكرست مرجعية الشريعة في الدستور في عدة استفتاءات دستورية كانت الشريعة حاضرة فيها جدًّا، وفي كل مرة صوتت الأغلبية الساحقة لصالح الخيار الذي يحمي مرجعية الشريعة.
فلما طرحت كتابة قانون جديد للإجراءات الجنائية طالب حزب النور بضبط المواد المخالفة للشريعة.
وفيما يتعلق بجريمة الزنا فقد قدَّم حزب النور في هذه التعديلات طلبًا بحذف الجرائم الخاصة بزنا المتزوجين من قائمة جرائم الشكوى لتبقى على أصلها كباقي الجرائم أنها جرائم بلاغ، وهذا يترتب عليه أثرين لا انفكاك لأحدهما عن الآخر في النظام القانوني المعاصر:
- الأول أن يفك القيد عن النيابة العامة في تحريك الدعوى حتى ولو لم يتقدم صاحب الصفة بشكوى.
- أنه يجوز لآحاد الناس أن يقدم بلاغًا للنيابة العامة.
وهنا ثارت اعتراضات منها:
1- ادعاء أن حق البلاغ مكفول في كل الجرائم:
وقد قدمنا أن حق البلاغ كفلته المادة رقم 25 من قانون الإجراءات الجنائية،
وهي منحت الإذن مقيدا بألا تكون التهمة محل البلاغ من جرائم الشكوى أو الطلب، فجاء نصها كالتالي: (لكل من علم بوقوع جريمة يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى، أو طلب أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عنها).
ولو تنزلنا وقلنا: إن حق البلاغ عام غير مخصص، فهو في النهاية بلاغ سيقدم للنيابة حال كون يدها مغلولة عن تحريك الدعوى بنص المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية؛ فأي عاقل سيقدم على فعل كهذا؟
ثم إننا نقول لمن ادعى وجود حق البلاغ: نقول: إن كان القانون يتضمن حق بلاغ مؤثر مثمر لثمرته في كل القضايا فبين لنا أين هذا؟ وإلا فيلزمك أن تسعى معنا إلى إقرار القانون لمثل هذه الحق.
2- ادَّعى البعض أن كلَّ الأحوال التي تضر المجتمع معدودة من جرائم البلاغ، من التحريض على الفسق والفجور والدعارة ونحوها.
والجواب: أن وجود امرأة تتخذ عشيقا يأتيها بيتها، أو رجل يأتي إلى بيت عشيقته أو يصطحبها إلى بيته، لن يدخلهم ذلك لا في جريمة الدعارة ولا في جريمة التحريض على الفسق والفجور. وإن كان حقيقة أمرهم أنهم يرتكبون منكرًا يجب أن نوجد المجال للأمة إلى إنكاره، التزامًا بما أمرها الله به وأن يكون هذا الإنكار قانونيًّا مشمولًا بحماية القانون، كما أن وجود هذه السلوكيات مدمر للنشأ الذين سيرون جيرانًا لهم وهم في عمر الآباء والأمهات، وهم يجاهرون بهذه الفواحش، مما يوجب على البرلمان أن يتحرك لحماية هؤلاء النشء.
علمًا بأن القانون الفرنسي نشأ في بيئة تعلم أبناءها أن هذا أمر لا إشكال فيه البتة، وبالتالي لم يجد المشرعون عندهم أي تناقض أو غضاضة أو ثغرة ينبغي سدها، ولكن عندنا تمسكنا بالستر! بينما القانون يضفي حماية على من يستعلن بجريمة الزنا طالما أنه برضا الزوج أو الزوجة وطالما لم يكن مقابل أجرة.
3- اعترض البعض أن الأصل في الشرع الستر:
والجواب أنه لا بد من تعريف الناس بالجرائم ليجتنبوها لا سيما في ظل الدساتير المعاصرة التي تقول لا جريمة ولا عقاب إلا بقانون، وبالتالي مهما كان الفعل مجرَّمًا في الدين، أو العرف، أو الطبع؛ فلن يكون جريمة قانونية إلا بالنص على ذلك في القانون، وبالتالي لا بد من التجريم، ولا بد من الوعظ والإرشاد.
فإذا وقع أحدٌ في الذنب فمن يراه عليه أن يجتهد إن غلب على ظنه أنه ينتفع بالوعظ ويتوب؛ فحينئذٍ يستحب أن يستره، وإلا رفع أمره إلى السلطات.
ونظير هذا العفو في الجرائم الشخصية، حيث لا يشرع العفو عمن ارتكب الجور إلا حال غلبة الظن أن العفو سوف يورث صلاحًا؛ قال -تعالى-: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) (الشورى: 40) .
