رحيل الشيخ الحويني بين حزن دعاة السُّنة وشماتة الطاعنين فيها
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
"الجريدة: ولكن هناك كثيرًا من المراكز العلمية تستخدم الطب البديل وطب الأعشاب في علاج فيروسات الكبد، كاستخدام اليابانيين للجلسريزين الذي يستخرج من نبات العرقسوس، وفي ألمانيا يستخدمون جذور العرقسوس ومسحوق عيش الغراب، ثم بماذا تفسر إنشاء منظمة الصحة العالمية قسمًا خاصًّا للطب البديل لمكافحة أمراض هذا القرن؟
الدكتور عبد الرحمن: كلها أعشاب لم يثبت فاعليتها الأكيدة في القضاء على المرض؛ فهي ما زالت في طور البحث، وتبقى فاعليتها كمواد طبيعية مضادة للأكسدة، وهو ما يساعد على تأخير نمو المرض، وأنا عن نفسي لا أرفض الطب البديل؛ بل أدعو الباحثين والدول لدعمه للقضاء على ما نشهده مِن أمراض كثيرة لم يتوصل العلم لعلاج لها بعد، ولكنني ضد الخرافات مثل العلاج ببول الجمل أو بالحمام، أو ما شابه ذلك.
الجريدة: ولكن مؤيدي العلاج بالحجامة وبول ولبن الإبل يؤيدون فكرهم بأنه من الطب النبوي، ولم يكن النبي مروجًا للخرافات.
الدكتور عبد الرحمن: الأمر ببساطة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يوظف المتاح والمتوارث والمتعارف عليه مِن العلاجات السائدة في عالمه، والسؤال الآن: ماذا لو أن الله منَّ على عباده بعلاجات أكثر فاعلية وأكثر قبولاً عند الناس من بول الجمل؟ هل نترك هذه العلاجات ونعود لبول الجمل تحت زعم أنه طب نبوي؟ إننا نرى أن أدعياء الطب النبوي والمتاجرين به أخذوا من هذا الطب اسمه وأفرغوه مِن محتواه بما يتفق مع أهوائهم ومصالحهم (3) .
أما الحجامة فهي عملية مختلفة، ولها أصول تراثية ونبوية بالفعل، فهي تعتمد على عملية خدش الجلد مما يحدث استنفارًا لجهاز المناعة، ويساعد على مقاومة الجسم للأمراض، ولكن قيام عدد من الحلاقين والعشابين -في أماكن غير مخصصة للعمل الطبي- بها يجعل منها عملية في منتهى الخطورة على المريض وعلى مَن حوله إذا لم يتم التخلص من دم المريض المصاب بالفيروس بشكل جيد، وأنا أعتقد أن تزايد عدد المصابين بفيروس "سي" وتواضع نتائج العلاج بالإنترفيرون وما صاحبه من آثار جانبية وارتفاع سعره، دفع المريض إلى تصديق الشائعات والخرافات، والبحث عن وسائل أخرى بديلة".
إذًا فكلام الكاتب فيه خلط متعمَّد بين كثير من الأمور!
فالسلفيون يرشدون الناس إلى أصول الطب الثابتة في الكتاب والسنة، والتي مَن أخذ بها حصَّل كثيرًا من أسباب السلامة -بحمد الله-، وإلا فباب التداوي مفتوح كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ثالثـًا: إذا كنا نُسَلِّم بوجود بعض الأخلاق عند الغرب؛ فلا بد أن نستدرك بأن أخلاق الغرب أخلاق نفعية قائمة على المنفعة المتبادلة، وليست أخلاقـًا أصلية:
وإن كان الكاتب وأمثاله لم يرثوا مِن العرب إلا الكرم الحاتمي مع "الآخر"؛ فيصرون على نسبة القوم إلى الأخلاق، مع أن فلاسفة الغرب يصرحون بنسبية الأخلاق؛ مما يعني أن الخلق الحسن عندهم هو الخلق النافع في الدنيا، وهذا ما يفسر لنا هذا التناقض الرهيب بين التزامهم وأمانتهم في العمل، وهمجيتهم في عطلة نهاية الأسبوع وحوادث القتل الجماعي التي يرتكبها العاطلون عندهم انتقامًا من المجتمع ككل، فضلًا عن السلوك الهمجي للدول الكافرة في أرجاء الأرض!
هذا عن أخلاقهم فيما بين بعضهم البعض، فما بالك بأخلاقهم مع المسلمين؟!
لا أظن أن موقف الحكومات الغربية يخفى على أحدٍ مهما كان منشغلًا بأدب الفراش أو بغيره؛ فأمريكا تعلن الحرب على العراق بدعوى وجود أسلحة دمار شامل، ثم لا تجد له أيَّ أثر، ولا تجد في ذات الوقت أيَّ حرج من ذلك، وتقول: "يكفي أننا أتينا العراقيين بالحرية"، فيسرِّب جنودهم صور التعذيب الوحشي في "أبو غريب"، وأيضًا لا تشعر أمريكا بأي حرج من ذلك، ومن قبله تعلن الدوائر الرسمية عندهم عن سجن "جوانتانامو"!
وأما على المستوى الشعبي؛ ففي ألمانيا حيث يُعالَج الشيخ قُتلت الأخت "مروة الشربيني" في ساحة المحكمة؛ لأنها رفعت قضية على أحدهم منعها من ملاعبة طفلها على الأرجوحة لكونها محجَّبة، وحَرَس المحكمة لا يحرِّكون ساكنًا، حتى إذا هب زوجها للدفاع عنها انطلقت رصاصاتهم تشله عن الدفاع عن زوجته.
ومع هذا فالشيخ الحويني وغيره من الشيوخ السلفيين -ومع تأذيهم من حالة السُّيَّاح الذين يأتون إلى بلادنا- ينهون الشباب المتحمس عن أن ينقُضُوا الأمان الذي دخل به هؤلاء إلى بلاد المسلمين، وهذا هو الفرق:
الغرب يعلن قبوله للآخر، بينما يُعمل فيه القتل على المستوى الرسمي والشعبي إلا فيما ندر.
ودعاة السلفية يعلنون رفضهم للآخر، ومع ذلك يحترمون العقود والمواثيق معه، وفي ذات الوقت يدعون ذلك الغير إلى الدخول في دين الله شفقة عليه؛ عسى الله أن يخرجه من الظلمات إلى النور، وأن يمن عليه بالإسلام، وهذا يقودنا إلى النقطة التالية.
رابعًا: يفرح المسلمون -دعاتهم وعوامهم- عندما ينضم إليهم أيُّ أخ جديد:
وهذا نابع من حب المسلمين لانتشار الخير، وقد ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في ذلك حتى كاد يقتله الحزن بسبب إعراض المشركين، حتى واساه ربه قائلًا: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف:6) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعليٍّ -رضي الله عنه-: ( فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَي بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ) (متفق عليه) .
بل إن انتماء الإنسان إلى أيِّ كيان وشعوره بتميزه يجعله حريصًا على زيادة أنصاره، فلو أنك أخبرت مشجعًا لنادٍ كروي أن أنصار ناديه في ازدياد، ثم وجدت منه لا مبالاة فضلًا أن يعارضك بقوله -على خلاف الحقيقة-: "إن مشجعي كل الفرق في ازدياد!"؛ فهل يمكن أن تصدق انتماءه لهذا النادي؟!
هذا ما يحصل في عالم اللهو واللعب عالم الكرة، ونأسف على التشبيه الذي لم أجد غيره للتعبير عن حالة كاتبنا تجاه خبر دخول عدد من الألمان في الإسلام على يد "الشيخ الحويني"؛ فأخذ يَذكر أن معدل البوذية وعباد القمر في أوروبا أيضًا في ازدياد!
