حوار موقع الجماعة الإسلامية مع الشيخ ياسر برهامي الجزء الثاني
صوت السلف • حوارات
ما أكثر خدمته للمسلمين؟! أظنه أكثر مني بكثير في هذا المجال، أقول له: زادك الله حرصاً، وتقوى،وهدى، وثباتاً، وعلماً، وإيماناً، وتواضعا، لولا أنه شقيقي لقلت أكثر من ذلك.
ما الأسلوب الأمثل برأيكم للتناصح بين العاملين في الحقل الدعوي لاسيما مع التباين الواضح بين بعض المناهج مما قد يؤدي بالبعض إلى سلوك عنيف بعض الشيء في نصيحته لإخوانه؟ ألا يكفيهم ما يقع من هجوم العلمانيين؟
ـ طريقة النقد الهدام لا نرتضيه أسلوباً لنا ولا لغيرنا في الدعوة إلى الله، ولنتأمل كيف قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في ما تنتقد به المسلم قال: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) متفق عليه ، لم يقل النقد ولا الجرح ولا التشهير فضلاً عن الفضيحة والتهم الباطلة دون تثبت.
وإن كان لابد لنا من بيان الحق والرد على الباطل والبدع، لكن بالأسلوب المهذب الراغب في الإصلاح، فإن أصر المخالف على مخالفة الكتاب والسنة، بينا مخالفته بالدليل دون سباب ولا شتم.
ولنتعلم من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا،) ، دون أن يصرح بأسمائهم وقال عن عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين: ( مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي ) متفق عليه ، ولم يسمه -صلى الله عليه وسلم-.
فأين هذا مما نسمعه اليوم من تهم بالباطل دون تثبت، ومن هؤلاء من يزعم أنه من أهل الحديث فهل كان أهل الحديث يتهمون الناس دون تثبت؟
يجب بيان خطأ من أخطأ، لكن بالعدل والإنصاف وصدق الرغبة في الإصلاح لا الهدم.
وأنا أنصح إخواني وجميع الدعاة بالتحري والتثبت، ثم عفة اللسان، وصدق النصيحة للمسلمين خاصة الدعاة إلى الله.
وليس يعني ذلك عصمة الدعاة أو عدم نقدهم أو بيان خطأ من أخطأ منهم، لكن بالعدل والإنصاف وصدق الرغبة في الإصلاح لا الهدم، وبحب أن يجري الله الحق على ألسنتهم، وليس بصيد الأخطاء لهم، فإن لم يجد عد لهم الأخطاء النحوية، أو انتقد شكلهم وهيئتهم كما يفعل البعض.
وعلى الدعاة أن يرجعوا إلى أهل العلم فيما أشكل عليهم، ولا يتسرعوا في الإفتاء لكل ما يعرض عليهم فليس إقبال الناس على الداعية ووعظه وتذكيره بدليل على أنه بلغ مبلغ العلماء والمفتين فلابد من رد الأمور إلى أهل العلم.
أما هجوم العلمانيين فلا نتوقع أن يستجيب الأعداء لمطالبنا، ولا أن يتوقفوا عن مهاجمة الإسلاميين، فإذا كانوا لا يتوقفون عن مهاجمة الإسلام فكيف بالإسلاميين؟!
كم مرة اعتقلت فيها؟ ومتى؟ وما هي ذكرياتك في المعتقل؟ وما أصعب لحظة كانت عليك؟ وما أسعد لحظة مرت عليك بالمعتقل؟ وما أهم المواقف الإيمانية التي لا تنساها والتي شاهدتها أو عشتها في المعتقل؟
ـ اعتقلت مرتين، مرة سـنـ1987ـةم في حادثة محاولة اغتيال "حسن أبو باشا" وزير الداخلية في ذلك الوقت.
والمرة الثانية سـنـ2002ـةم، المرة الأولى كنت مع أخي الحبيب "د/ أحمد فريد" و"الشيخ/ فاروق الرحماني" -رحمه الله- وغيرهم، وكانت المدة حوالي أربعين يوما في سجن "استقبال طرة".
وكان من المعلوم يقينا أننا لا دخل لنا بحادثة الاغتيال، ولذا لم يكن تحقيق ولا سؤال ولا شيء. والله -سبحانه- إذا ابتلى عبده ببلاء لم يستجلبه لنفسه يسر له من أنواع اليسر والراحة والسعادة في هذا البلاء رغم الألم ما لا يخطر بباله، ولقد كانت هذه المرة في رمضان وقضينا العيد في المعتقل.
أتذكر من الطرائف أننا كنا في "عنبر أ" في الدور الرابع، وكان الماء كثيراً ما يقطع عن العنبر كله، فكان الإخوة يعترضون بكل قوة وبهتافات قوية، وذات مرة أخذوا المفتاح من الشاويش عنوة، وفتحوا كل الزنازين، ومن لم يفتح له حاول كسر الأبواب، وكانوا يحرقون الأغطية، وخرج العنبر كله خارج الزنازين -طبعا حدث ذلك قبل المبادرة- ورفضنا نحن الخروج من زنزانتنا.
إن الروح مع البلاء تسمو فوق حدود الجسد، وفوق أسوار السجن حتى ينظر الإنسان إلى العالم صغيراً كما خلقه الله والدنيا لا تساوي شيئا كما هي عند الله، لا تساوي جناح بعوضة.
وكان معنا أحد الإخوة شيخ أزهري كان ينظر من باب الزنزانة فيسمع الهتافات فيقول متهللا: "الأمة صحيت يا ولاد"، فنقول له: "تعال يا شيخ محمد انظر من الشباك الآخر المطل على الساحات المحيطة بالعنابر والأسوار والأبواب المغلقة"، فكنا نرى عربات الأمن المحملة بالجنود وهي تتحرك ناحية العنبر بكميات هائلة لفض التمرد وإدخال الإخوة إلى الزنازين، وكنت أعد عدد الأبواب التي تغلق وراءنا بعد الباب الرئيسي للسجن فكان باب الزنزانة هو الباب رقم 19 فأقول له: "يا شيخ محمد لو فتحنا باب واحد أو اثنين فماذا سنفعل في ال18 أو ال17 الأخرى، هذه محاولة فاشلة".
ومع ذلك استمر التمرد حتى وصلت القوات ونادوا بالميكروفونات، بأنه إذا لم تـَعُد المفاتيح فسيتم إطلاق النار فلم يستجب أحد والحماسة كانت وصلت غايتها، وبالفعل تم إطلاق الرصاص الخرطوشي، ففي لحظة واحدة سكت الجميع وجرى الكل إلى الزنازين وأغلقها على نفسه.
ورغم أننا لم نفتح زنزانتنا، ولم نخرج منها إلا أن العقاب العام كان قد تقرر وقطع الغذاء والكهرباء بالإضافة إلى المياه.
وأخذ السجن كله "علقة ساخنة بالعصا" أعقبها الدخول إلى زنازين انفرادية.
وكانت -بحمد الله- فرصة عظيمة لاستغلال العشر الأواخر من رمضان بدلاً من الضحك المستمر في الزنزانة الكبيرة.
وكان معي الشيخ محمد الأزهري نفسه -اثنان في الزنزانة الانفرادية- فقلت له: الأمة صحيت يا شيخ محمد؟! فقال لي:" دي نايمة وفي سابع نومة".
أما في المرة الثانية سـنـ2002ـةم، فكانت قضيتنا نحن، فكان فيها تحقيق، ولا شك أن أيام التحقيق التي استمرت نحو عشرين يوما لمراجعة خمسة وعشرين سنة من الدعوة كانت أطول أيام العمر فإن ليل السجن وليل المرض طويل.
واستمر الاعتقال بعدها بالنسبة لي نحو السنة، خففه الله علينا بحسن استقبال إخواننا لنا، ثم بحسن صحبتهم.
ولا شك أن إخوة الجماعة الإسلامية خصوصا الأخ "علاء الخولي" -حفظه الله- كانوا نعم العون لنا في هذه الفترة، جزاهم الله خيراً.
