أحداث الأردن على ضوء بيانات كلٍّ من: (الدعوة السلفية - الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - إخوان الأردن)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
السؤال الثاني: بماذا تخاطبون الشعوب الإسلامية بشأن نصرة غزة؟
هنا فاجأنا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكثير من الرموز الدائرين في فلك الإخوان أنهم في الواقع يدعون لحرب أهلية، وليس لنصرة غزة؛ فالغرياني يدعو الطيارين المصريين والأردنيين؛ كلٌّ يأخذ طائرته ويذهب إلى غزة!
وغني عن الذِّكْر: أن مَن فعل هذا سوف يعترضه زملاؤه، فلا يوجد جيش يسمح بتحرك أفراده هكذا.
ماذا سيفعل هذا الطيار الذي سيسمع كلام الغرياني عندما يعترضه زملاؤه؟!
أليست الحرب الأهلية يسقط فيها أبناؤنا وتدمَّر فيها طائراتنا؟!
ثم هَبْ أنه وصل، فلن يتكلف العدو في إسقاط تلك الطائرات الشاردة إلا ما يكلفهم إسقاط عصفور في السماء، بل ربما قرَّروا إجباره على الهبوط؛ فأسروه، وأخذوا طائرته غنيمة.
وأما الصغير فاختار أن يدعو الشعوب إلى النزول إلى الميادين ومحاصرة السفارات، وهو يعلم أن هؤلاء سوف يواجهون قوات الأمن في بلادهم، ولن يضروا الأعداء في شيء.
مع ملاحظة: أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين اضطر أن يعدِّل فتواه، ويسحب منها كلمة جهاد الأفراد بالسلاح، كما اضطر إلى إنزال بيان على صفحته دون أي ترويج إعلامي كبير له، وكأنه اعتذار مسبق، يشدد فيه على أن هذا النزول الذي يدعو إليه يجب أن يُراعَى فيه عدم الصدام مع الأجهزة الأمنية؛ فصار من الناحية الواقعية البيان متناقضًا تمامًا مع الفتوى؛ بيد أن الفتوى مؤيدة بخطب رنانة، ووقفات آمنة في تركيا -وغيرها-؛ حيث لا صدام مع أجهزة الأمن، فصارت إغراءً للشباب للوقوع في الصدام مع الأجهزة الأمنية.
وفي النهاية.. بماذا نفعوا القضية؟
الإجابة على لسان إخوان الأردن:
عَمِل إخوانُ الأردن -أو مجموعات منهم- بفتوى الاتحاد العالمي، أو كانوا يعملون منذ مدة بمثل هذه الفتوى، فلم يعتبروا أن هناك اتفاقية سلام بين بلادهم وبين إسرائيل (ذكرنا أن نصيحتنا للحكام بالسعي إلى إلغاء تلك الاتفاقيات شيء، وافتراض أنها غير موجودة بالفعل شيء آخر).
ومِن ثَمَّ؛ فأخذوا يصنعون صواريخ قصيرة المدى جدًّا من 2 كم إلى 5 كم، والسؤال: هل الداخل الفلسطيني يحتاج أن يستورد هذه الأسلحة من خارجه؟!
وصاروا يصنعون طائرات الدرونز.
ولو أن إيصال هذه الأسلحة للفلسطينيين نافعٌ لهم، ولا يترتب عليه احتراب ومواجهات بين من يفعل هذا والأجهزة في بلده، ولا يورِّط بلده في مواجهة غير محسوبة العواقب؛ لقلنا: "إنها نصرة محمودة لإخوانهم"، ولكن فتوى الاتحاد العالمي أسقطتْ كلَّ هذه الاعتبارات، واعتبرت أن هذه الأفعال فرض عين على كلِّ مسلم، لا سيما في مصر والأردن!
ثم حدث أن قامت سلطات الأردن بالقبض على هؤلاء.
فهل تحمَّل مَن أفتى بهذه الفتاوى تبعة هذه المفسدة المحضة؟
لم يصل شيء إلى فلسطين، لا سيما غزة، واحتمال وصول شيء من هذا يقترب من صفر بالمائة؛ فهذا الطريق نهايته صدام بين من يقوم به وبين الأجهزة الأمنية في بلده.
إذًا، هذا الصدام مفسدة، وما يترتب على هذا الصدام من ثارات تلهب نيران الثأر، وربما امتد ذلك لعقود، كما حصل في تجربة جماعات العنف في مصر وغيرها.
وهذه المفسدة تضعف الدول أمام إسرائيل، وتلقي البغضاء بين الشعوب والحكام، ويترتب عليها انكماش الدعوات واستطالة دعاة العلمانية، ولكن أصحاب هذه الفتاوى لا يحسبون ولا يراعون، مع أن معظمهم يرفعون شعار: "الفقه المقاصدي"، ولكونهم يجيزون في فقههم المقاصدي العدول عن الأحكام الشرعية إلى غيرها إذا حققت المقاصد -في زعمهم-؛ فقد تركوا النصوص المنظِّمة لحال المسلم في حالة الضعف ليتبنوا خطابًا تهييجيًّا؛ فأدَّى إلى نقيض المقاصد الشرعية (ولهذه الجزئية مجال لمناقشتها باستفاضة -بإذن الله-).
وعلى طريقة الانسحاب غير المنظَّم، والغدر بالأتباع الذين وثقوا في القيادة المحمِّسة لهم؛ أصدرت جماعة الإخوان في الأردن هذا البيان:
بيان جماعة الإخوان المسلمين في الأردن
بيان إعلامي صادر عن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن:
- جماعة الإخوان المسلمين: نؤكِّد أن كلَّ ما تم التطرق إليه خلال المؤتمر الصحفي، وما تلاه إعلاميًّا من مجريات وأحداث وأفعال، هي أعمال فردية، على خلفية دعم المقاومة، لا علم لجماعة الإخوان المسلمين بها، ولا تَمُتُّ لها بصلة.
- جماعة الإخوان المسلمين: تؤكِّد أنها التزمت منذ نشأتها قبل ثمانية عقود بالخط الوطني، وظلت متمسكة بنهجها السلمي، ولم تخرج يومًا عن وحدة الصف وثوابت الموقف الوطني، بل انحازت على الدوام لأمن الأردن واستقراره.
- جماعة الإخوان المسلمين: تؤكد الجماعة أنها كانت -وما زالت- جزءًا أصيلًا من نسيج الوطن؛ تقدِّم مصالح الأردن العليا فوق كلِّ اعتبار، وتؤمن بأن الحوار والتكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع هو السبيل لمواجهة التحديات وتجاوز الأزمات.
- الإخوان: المرحلة تتطلب وعيًا وطنيًّا صادقًا، وتكاتفًا مسؤولًا، وترسيخًا للوحدة الوطنية وتمتينًا للجبهة الداخلية على قاعدة المصالح الوطنية العليا للوطن، بعيدًا عن محاولات التشويش أو التشويه أو التخوين، وحملات التحريض التي لا تخدم الأردن وتستهدف منعته.
- الإخوان: لقد أثبتَ الأردنيون -على الدوام- أنهم قادرون على تجاوز التحديات بالحكمة والرشد، والمسؤولية والحوار الوطني، وأن الدولة الأردنية بتماسكها وتعدديتها وانفتاحها، قادرة على احتضان كل رأي حر، والتفاعل مع كلِّ صوت مخلص في إطارٍ من الاحترام المتبادل والشراكة الوطنية الصادقة.
ثم صدر بيان عما يسمِّي نفسه تيار التغيير داخل الإخوان، وهو: التيار الذي قاد عمليات العنف المنظم في مصر بعد 2013، وكان مما جاء في نص البيان: (إن ما قام به هؤلاء الأبطال هو تطبيق عملي ناصع لما أقره علماء الأمة في فتاواهم، وآخرها بيان لجنة الاجتهاد والفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي نص بوضوح على وجوب نصرة المقاومة في غزة بالسلاح والمال والنفس، وبيَّن وجوب التصدي لكلِّ مَن يعاديها أو يخذلها أو يحاصرها، وهو كذلك ما دعت إليه المقاومة مرارًا، واستنفرت فيه الأمة، ونادى به المكتب العام على مدار عام ونصف من وجوب انخراط جموع الأمة في هذه المعركة).
