الغارة الصوفية على الشيخ ابن باز -رحمه الله-.. دروس في التسامح الصوفي المزعوم!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
بينما كان للحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- توجُّه آخر؛ وهو: تضعيف هذه اللفظة، فقال في التمهيد (14-367): "وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا فِي حُكْمِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنِ احتج محتج بحديث يروى عن إسماعيل بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ابن أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ النَّجْدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ). قِيلَ لَهُ: هَذِهِ لَفْظَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ ولَمْ يَقُولُوا ذلك فيه. وقد روي عن إسماعيل بْنَ جَعْفَرٍ هَذَا الْحَدِيثُ وَفِيهِ: ( أَفْلَحَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ )، أَوْ ( دَخَلَ الْجَنَّةَ وَاللَّهِ إِنْ صَدَقَ )، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى ( وَأَبِيهِ )؛ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مُنْكِرَةٌ تَرُدُّهَا الْآثَارُ الصِّحَاحُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
على أننا أيضًا لا نوافق الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- فيما ذهب إليه، ونقول بالجمع الأول؛ لكون هذه العبارة وردت أيضًا في أحاديث أخرى لا مجال للطعن عليها من جهة السند .
والحاصل: إثبات أن الشيخ ابن باز سَلَك مسلك العلماء قبله ولم يعترض على الشريعة، وإنما مَحَّص ما يجب أن يُنسَب إلى الشريعة وما ينفى؛ لكونه غير ثابت أو لكونه منسوخًا .
ثم إن ذلك قد جاء في سياق كلامه (دون أن يكون تعليقًا على الحديث، كما هو مصطلح جامع الكتاب وَفْق الرمز الذي اختاره لتمييز هذه الأقوال بوضع نجمة قبلها) وهو كلام لا بد وأنه جاء كإجابة عن سؤال: ماذا لو أراد أحد أن يقول هذا الكلام الآن؟ أو ماذا لو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ذكر هذا الكلام في آخر البعثة؟ (وهذا ما رجحه الدكتور حاتم العوني في منشوره) .
ومن المفيد هنا: أن نثبت أن للشيخ كلامًا آخر في المسألة وَرَد في كتاب "التعليقات البازية على كتاب التوحيد"، وهو مفرغ من تعليقاته على كتاب التوحيد، قال فيه تعليقًا على حديث خباب: "المراد أنه من كمال الأمن في البلاد وذهاب الخوف عن الناس، وليس بداخل في مسألة التشريك" .
وهذا يؤكد أن الشيخ مشغول بفهم الحديثين بطريقة لا يبقى معها أي تعارض بينهما كما هي طريقة أهل العلم عبر العصور، ولعل قوله بعدم وجود تعارض يكون هو الذي استقر عليه -ولله الحمد والمنة -.
ثم لا بد هنا من تساؤل لمن أظهر الغيرة على السُّنة من تلك الكلمة -بزعمه -؛ وهو: أين أنت من قول القائل: "انشلني من أوحال التوحيد"؟
وأين أنت من قول القائل: "مدد يا فلان"؟! والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وأين أنت من إقامة المساجد على القبور؟! وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ ) (متفق عليه) ، وكان لهذا الحديث سبب ورود، وهو ذكر أمهات المؤمنين للكنيسة التي رأينها في الحبشة وما فيها من تصاوير مما يمنع التفسيرات المتعسفة التي يحاول المتصوفة حمل الأحاديث المتواترة الناهية عن إقامة المساجد على القبور عليها من أنه نُهِي عن أن تضع رأسك على القبر في السجود، وأما بناء مكان العبادة عليه فيدَّعون أنه لا حرج فيه! مع أن سبب ورود الحديث كان بشأن كلام أمهات المؤمنين على كنائس أهل الكتاب.
لماذا لا تطبِّق في كل هذه المواطن الغيرة على النص النبوي، والغارة على مَن تأولها على خلاف ظاهرها، وعلى خلاف عمل الصحابة والتابعين وتابعيهم، والقرون الثلاثة الأولى التي لم يُعرف فيها مسجدٌ بُنِي على قبر حتى حسَّنت جماعة "إخوان الصفا" الباطنية للناس اتخاذ وسائط بينهم وبين الله في الدعاء واتخاذ القبور مساجد؟ !
عود إلى حديث خباب :
لم يكن الشيخ ابن باز وحده هو الذي تناول هذا الحديث بما يزيل الإشكال؛ فقد حكى ابن حجر -رحمه الله- أن هناك من ذهب إلى أن لفظة: ( وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ) مدرجة؛ لأن البخاري ساق الحديث بسنده ووقف فيه على ( لَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ ) ثم قال: "قال بَيَان: ( وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ) ."
وكان سند البخاري هكذا: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، قَالاَ: سَمِعْنَا قَيْسًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا...). إذًا فقد حدَّث بَيَان وإسماعيل عن قيس، أما إسماعيل فاكتفى بـ( لَا يَخْشَى إِلَّا اللهَ )، وأما بيان فزاد: ( وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ )؛ فهذه قد تكون مدرجة من كلام بيان، وقد تكون مرفوعة على أنها من زيادة الثقة؛ إلا أن الحافظ ابن حجر أشار إلى أن صنيع البخاري يوحي بأن اللفظة مدرجة، فقال: "قَوْلُهُ: زَادَ بَيَانٌ: ( وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ): هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ إِدْرَاجًا، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَحْدَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهَا: ( مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ )، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّباح، وخلاد بْنِ أَسْلَمَ، وَعَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، كُلِّهِمْ عَن بن عُيَيْنَةَ بِهِ مُدْرَجًا وَطَرِيقُ الْحُمَيْدِيِّ أَصَحُّ، وَقَدْ وَافقه ابن أَبِي عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مُفَصَّلًا أَيْضًا" .
