شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

القلب في القرآن الكريم (2-3) صحة القلب وسلامته

الشيخ علاء بكر • التزكية

- وإيمان العبد يزداد بزيادة العلم بنص من كتاب الله جل شأنه أو بحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإن صدق به وتيقنه وانقاد له وعمل بمقتضاه عن محبة وخوف ورجاء قوي بذلك إيمانه، وارتفعت عند الله -تعالى- مرتبته، وازداد تصديقًا إلى تصديق ويقينًا إلى يقين، فالعلم التفصيلي أقوى -بلا شك- من العلم المجمل.

- والإيمان يشمل قول القلب واللسان، كما يشمل عمل القلب والجوارح، وقول القلب يستلزم قول اللسان، كما أن عمل القلب يستلزم عمل الأركان. والإيمان القلبي يتضمن إضافةً إلى التصديق الجازم موافقة القلب لمراد الله -تعالى-، وموالاته له، وانقياده له وطاعته عن محبة وإنابة وخشية ورغبة ورجاء.

2- المداومة على ذكر الله -تعالى- والاستغفار وتجديد التوبة:

فمما لا شك فيه أن لذكر الله -تعالى- تأثيره على القلوب، فبالتزود به حياة القلوب وقوتها؛ قال -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (الرعد: 28) . وذكر الله هو الباب الأعظم المفتوح بين العبد وربه ما لم يغلقه العبد بغفلته عنه؛ قال الحسن البصري -رحمه الله-: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق".

وذكره -تعالى- داعيًا للقلب للمحاسبة والتبصر: قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (الأعراف: 201) ، وهذا الذكر يؤدي إلى المبادرة إلى الاستغفار مما يقع من الذنوب والتقصير، وإلى المسارعة إلى التوبة حال المعصية فتزول آثار الغفلة أو الهوى، ويبقى للقلب حياته وصحته، فالذكر جلاء القلوب وصفاؤها ودواؤها إذا أصابها اعتلال، وكلما ازداد الذاكر في ذكره لله استغراقًا زادت محبته إلى لقائه -تعالى-.

- والذكر يكون بالقلب وباللسان، وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإلا فلا خير في الذكر من العبد وقلبه لاهٍ ساهٍ.

3- المداومة على تلاوة كتاب الله -تعالى- وتدبره:

فالقرآن روح، به حياة القلوب وقوتها وسلامتها، قال -تعالى-: ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ) (الشورى: 52) . وتدبر القرآن وتأمله وفهم معانيه والقبول والاستجابة لما فيه شفاء وعلاج للقلب من العلل والأمراض والأسقام التي قد تعتريه بكل أنواعها؛ قال -تعالى-: ( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (يونس: 57) ، وقال -تعالى-: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (الإسراء: 82) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ) (فصلت: 44) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ) (الأنفال: 2) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (فاطر: 29-30) .

فمن حمل عن إيمان ويقين كتاب الله بين جنبتيه ترتيلًا وفهمًا وتدبرًا، وقبولًا له وعملًا به، سَلِم من الشبهات والضلالات، ومن الشرك والشك والنفاق والزيغ، ففي القرآن الكريم من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول به أمراض الشبه المفسدة وتتضح الأشياء على حقيقتها، وهذا موقوف على فهم القرآن ومعرفة معانيه والمراد منه، فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عيانًا بقلبه، فالقرآن يشفي العبد ويحفظه من كل ما يضره ويمرضه، ويزيده إيمانًا ويقينًا أحوج ما يكون إليه؛ عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحب القرآن فهو يحب الله، فإنما القرآن كلام الله".

- والزيادة في الإيمان بتلاوة آيات القرآن أو سماعها لا تقتصر على زيادة التصديق فحسب، بل يراد الزيادة الإيمانية أيضًا بما يحصل من أثر الآيات القرآنية في القلوب، مما يزيدها خشيةً وخشوعًا، ومحبةً وإنابةً، وطمأنينةً ويقينًا، ورغبةً ورهبةً، وموافقةً وانقيادًا، وهذه الزيادة في الإيمان قد نطق بها القرآن في عدة آيات منها، قوله -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ) (الأنفال: 2) ، وقوله -تعالى-: ( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمَنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) (التوبة: 124) .

4- المداومة على الدعاء والتضرع إلى الله -تعالى-:

فالله يحب من عباده الدعاء والإلحاح والتضرع فيه، ومن لا يدعو الله -تعالى- يغضب عليه. والدعاء تواصل معه -تعالى-، وتوجه دائم إليه، ينشرح به الصدر، ويثبت من خلاله القلب، فيحفظه من الشبهات والشهوات، فلا غنى للقلب عنه؛ قال -تعالى-: ( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ) (البقرة: 186) ، وقال -تعالى-: ( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ) (غافر: 60) .

وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ) (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية