مناقشة هادئة مع توسل الخطيب بفاطمة -رضي الله عنها- وأبيها -صلى الله عليه وسلم-
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
3- قول النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
4- ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وازن بين هذه الأدعية الواردة في القرآن أو في كتب السنة، وبين ما استعاره الخطيب من كتب الشيعة لترى الفرق، حتى في المسألة ذاتها وعمومها، وتفويض الأمر لله فيها؛ فضلًا عما يُشعِر به دعاء الخطيب -لا سيما ومصر ليست في حاجة ظاهرة لأحدٍ بفضل الله- وإن كانت شأنها شأن غيرها تحتاج إلى التكامل مع الأشقاء، والتعاون مع الأصدقاء.
مسألة: مخالفة الدعاء المذكور للأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
كل منزلة في الإسلام حازها مسلمٌ فالفضل فيها لله أولًا، ثم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ يستوي في ذلك آحاد المؤمنين مع أفاضل خيارهم -كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخديجة وفاطمة وعائشة -رضي الله عنهم أجمعين-. ومِن ثَمَّ فلما أراد الله الثناء على صحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم- قدَّم الثناء عليه -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) (الفتح: 29) ، ثم أثنى على الصحابة معرِّفًا إياهم بكونهم ( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) -صلى الله عليه وسلم-.
وفاطمة -رضي الله عنها- هي ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن الصحابيات الجليلات؛ فجمعت شرف الصحبة وشرف البنوة، وكله راجعٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثمَّ فالمتصور لدى الداعي -حال ظنه أنَّه يشرع التوسل بجاه آل البيت أو بحقهم- أن يقول: "بحقِّ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته"، أو لو أراد أن يخص مِن آل البيت فاطمة وعلي، والحسن والحسين -رضي الله عنهم- فلا بأس أيضًا أن يقول: "بحقِّ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وفاطمة وعلي، والحسن والحسين".
أما أن يجعل الصدارة في الكلام لفاطمة -رضي الله عنها- ويؤخر ذِكْرَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ثم يأتي به منسوبًا إليها فيقول: "وأبيها!"؛ مع أن الكلام إنما ابتدأه الداعي ولم يكن مسبوقًا بذكر أمر يخص فاطمة -رضي الله عنها-، ثم يختم بالدعاء لها كغرض أصيل ثم بأبيها وبعلها وبنيها؛ فأين هذا من قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ أن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (الحجرات: 1) ؟!
والعجيب: أن يصدر هذا مِمَّن يتبنَّى الكثير من البدع التي فيها غلوٌّ في النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ بدعوى أن الأدب مقدَّمٌ على الامتثال!
وهنا يظهر لك أثر الأصل الشيعي للدعاء؛ فعبثًا ستحاول لو أردتَ أي تفسير معقول لأن يفعل رجلٌ عاقلٌ هذا التقديم والتأخير الذي لا معنى له!
بطلان "السر المستودع!" وحقيقة الدعاء الشيعي:
فإذا رجعنا لكتاب "الأسرار الفاطمية في المقامات الملكوتية والمعاني الروحانية للسيدة فاطمة الزهراء"، والذي أحالنا عليه الشيخ الدكتور محمود الشال سيبطل عجبنا؛ حيث يقول في (ص 59) في بيان الاحتمالات المختلفة لـ"السر المستودع" الوارد في الدعاء: (قد يكون السر هو ما أشارت إليه الرواية المروية في شأن الحديث القدسي المروي عن لسان جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الله -تبارك وتعالى- أنه قال: "يا أحمد لولاك لَمَا خلقت الأفلاك، ولولا عليٌّ لَمَا خلقتك، ولولا فاطمة لَمَا خلقتكما!"؛ أي: إن العلة الغائية لخلقكما كما يظهر من الحديث القدسي هو وجود فاطمة -عليها السلام-.
إذًا فالكتاب -وإن كان مؤلفه منتسبًا للشيعة الاثني عشرية- فهو يلامس عقائد الباطنية الذين يؤلِّهون البشر، وهو هنا يرفع عليًّا فوق النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ويرفع فاطمة فوق الاثنين؛ سبحانك ربي هذا بهتانٌ عظيمٌ!
وبالطبع نحن نجزم أن الدكتور سيد عبد الباري لا يقصد تلك العقائد الكفرية، ولكن تورط في نقل دعاء، فلَمَّا استشكله الناس تبرع زميلٌ له لكي ينقذه من تهمة الابتداع والاختراع، فأحالنا على مصدر الدعاء. وكان مِمَّا استشكلناه أن تُقدَّم فاطمة -رضي الله عنها- على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلَمَّا رجعنا إلى مَنْ خرَّج الدعاء من عندهم، وجدناهم يرون أنه لولاها لَمَا خُلِقَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-!
مسألة: ما هو السر المستودع عند فاطمة؟
لقد اختار الداعي أن يدعو بحقِّ "السر المستودع عند فاطمة"، وليس في ديننا سرٌّ مستودعٌ لا عند فاطمة ولا عند علي، ولا عند أحد من الصحابة. روى البخاري عن أبي جحيفة قال: "قلت لعليٍّ -رضي الله عنه-: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قال: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" (رواه البخاري) .
وبالتالي فنحن لا يجوز أن نردد خلفه شيئًا لا نعرفه؛ فضلًا أن نسأل الله به.
ولا ندري: هل سأل نفسه قَبْلَ ترديد الدعاء لكي يستحضر النية ساعة الطلب ما هو ذلك السر المستودع؟!
لقد حاول الكثيرون أن يفسروا هذا بقصة ما أسرَّه النبيُّ لفاطمة -رضي الله عنها- في آخر حياته، وهو ليس سرًّا مستودعًا، ولا تعلق له بتبليغ الشرائع، ومع هذا فقد ذكرته لنا فاطمة -رضي الله عنها-؛ وهو: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أخبرها أنها أول أهله لحوقًا به، وقد كان، فلم يعد هناك سرٌّ مستودعٌ، بل علمناه ثم صار واقعًا.
وأمَّا الكتاب الذي أحالونا عليه فذكر لهذا السر المستودع معانٍ بعضها أفسد من بعض:
1- قالوا هو المهدي ويعنون بهم مهديهم الخرافي، وأنَّ فاطمة -رضي الله عنها- أخبرت أبناءها بكونهم سيكون منهم أئمة إلى أن يختفي منهم أحدهم في السرداب.
