أكذوبة حتمية الاستجابة وأثرها في رواج التوسل البدعي والشركي
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وليتهم انصرفوا عنه إلى أنواعٍ أخرى مشروعة، أو حتى إلى الأنواع التي في مشروعيتها شبهة دليل -كسؤال الله بحقِّ السائلين-، بل انصرفوا إلى أنواعٍ غير مشروعة، بل إلى الدعاء الصريح لغير الله؛ كقولهم المشهور: "مدد مدد!"، وهو: طلب المدد أي: العون؛ إذًا فهو العدول عن "إياك نستعين" إلى طلب المدد من النبي -صلى الله عليه وسلم- تارة، ومن فاطمة -رضي الله عنها- تارة، ومن علي والحسن والحسين تارات أخرى، ثم من البدوي والدسوقي والرفاعي والجيلاني تارات أخرى!
كيف راجت على الخلق هذه الأنواع البدعية والشركية من التوسل؟!
إن التوسل المشروع يبقى دعاءً من داعٍ لربِّه مباشرةً، وأقصاه: وجود داعٍ يطلب مسألة غيره، ولكن مع عدم الإخلال بأن الدعاء من الداعي لربه -عز وجل-، ولكن هل تتم الاستجابة؟ يعني: هل كل من سأل الله الرزق يُعطاه، ومن سأل الشفاء يُشفى، ومن سأل كل أمنية ينالها؟!
بلا شك يتعرَّض الإنسان لابتلاءاتٍ لا يحبها، وربما استمرت طوال حياته أو استمرت مدة كبيرة منها، وقد يكون هناك إرشاد للأخذ بأسباب إجابة الدعاء مِن: الإخلاص، والافتقار إلى الله، وإطابة المطعم، وغيرها، ولكن أيضًا الواقع يقول: إن حتى الأنبياء والمرسلين قد تعرَّضوا لابتلاءات من: مرض وجوع، ومن الهزيمة أمام الأعداء أحيانًا.
وهذه هي النكتة؛ أن الدنيا دار ابتلاء، ولا يمكن أن يزول عنها صفة الابتلاء بأن يجعل الدعاء دائمًا رافعًا للبلاء جالبًا لما يحبه الإنسان، ولكن من فضل الله تعالى أن العبد إذا سأل ربه ما ليس في قَدَر الله أن يعطيه إياه؛ فإنه يعطى من الثواب والصبر والرضا، ومن النعم الأخرى ما الله به عليم؛ كما في الحديث عن أبي سعيد -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا ) قَالُوا إِذًا نُكْثِرُ . قَالَ: ( اللَّهُ أَكْثَرُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
وهذه هي خلاصة العقيدة الصحيحة في دعاء الله تعالى، وما فيه من توسل مشروع.
أكذوبة حتمية الإجابة في التوسل غير المشروع وفي سؤال غير الله:
ذكرنا أن هناك أنواعًا من التوسل اختلف فيها العلماء، والراجح منعها؛ لكونها لم ترد في القرآن، ولا في صحيح السُّنة، ولا عملها الصحابة الكرام، وغايتها أن تنسب إلى آحادٍ منهم، بينما لدينا اتفاقهم على تركها في قصة استسقاء عمر -رضي الله عنه- بالعباس.
والمشاهَد: أن الصور المختلَف فيها تبعد بدرجات متفاوتة عن صورة داعٍ يدعو ربه، ويرفع له حاجته مثنيًا على الله بأسمائه وصفاته، ومتذللاً بفعل نفسه، إلى وجود مزاحمة من شرف وجاه غير صاحب المسألة.
وتم التداخل بين هذا وبين الغلو في إثبات الكرامات لبعض الرموز التي ادعوا لها الولاية من جهتين:
الأولى: ذكر حكايات مكذوبة فيها مبالغات: فمثلًا: يقولون أنه جاءت امرأة إلى البدوي في حياته وهو في طنطا، وكان ابنها قد أسره الصليبيون في المنصورة، فمد البدوي يده من النافذة فأتى بابنها فوضعه أمامها وهو في قيوده، وهي التي يتغنَّى بها مجاذيب البدوي في مولده: "الله الله يا بدوي جاب اليسرى!" (وأصلها الأسرى كما أنشدها شيخهم علي جمعة مرة هكذا، ومرة هكذا في مولد البدوي الأخير!).
وهنا نحن لسنا أمام واقعة توسل في الدعاء، بل هي اشتكت له فظهرت هنا كرامة من كراماته.
وهنا ستثور عدة أسئلة:
أولًا: لماذا قعد البدوي عن الجهاد والصليبيون يدكون بلادنا؟ (وفي رواية أخرى: أنه كان مجاهدًا وشارك في حرب الصليبيين، وبالطبع فهذا يُحكى عن شخص آخر غير الذي يحكي عنه المجاذيب، ولا ندري البدوي الحقيقي أي واحد منهما، ولكننا نناقش مجاذيب البدوي فيما يعتقدونه فيه).
ثانيًا: لماذا لم يستعمل تلك القدرات الخارقة في ردِّ الأعداء أصلًا عن بلاد المسلمين؟!
ثالثًا: لماذا هذا الأسير بالذات؟
رابعًا: لماذا لم يفك قيوده؟
خامسًا: حكى الشعراني: وبعد وفاة البدوي بقريب من 300 سنة وُجِد شخص أعلى منارة مسجد ثم اكتشف أنه كان أسيرًا في بلاد الإفرنجة، وهتف باسم البدوي؛ فأتى به وألقاه فوق تلك المنارة!
وبالطبع عندنا قصة إرجاع الطفل من فمِّ التمساح، وبطلها في هذه المرة الدسوقي.
وعند الشعراني -في طبقاته- أولياء عُرِفوا بإحداث الأثر الفوري في عقاب مخالفيهم حتى فيمن يحاول منعهم من الوقوع في فواحش؛ كقصة الذي كان يأتي الدواب في الطريق، ويجبر صاحبها على مساعدته، فإن فعل وإلا تسمَّر مكانه!
وبالطبع فهذه إما أكاذيب أو أحوال شيطانية من استعمال السحر ونحوه:
- فالكرامة للولي إنما تكون مع استقامته على شرع الله.
- الكرامة -لا سيما في خوارق العادات- لم تتحول في أي عصر من العصور إلى أصل، وما ثبت من كرامات لأفضل الأولياء كان مِنَّة من الله بإنقاذٍ من عدو أو رد مصيبة، ولم تتحول إلى خرق للعادة مستمر، كما تصف به الصوفية كرامات شيوخها!
- لا يُعلم قط عن أحدٍ من أهل العلم ادعاء أن الكرامة صارت أحد ملكات الشخص أو مقدوراته الدائمة؛ ولذلك تخلصت الصوفية من الدندنة حول الكرامة، وانطلقوا إلى رحابة ادعاء تفويض الله أولياءهم بإدارة شؤون الكون!
وبَلَغ من هذا أن ادعوا: أن هناك حكومة باطنية (ليست نسبة إلى الفرق الباطنية، ولكنها نسبة إلى خفائها عن الناس، وإن كانت هي جديرة بأن تنسب إلى أقوال وأفعال الفرق الباطنية فعلًا)؛ هذه الحكومة ديوان بشري ما بين معاصرين وموتى، فيه القطب الغوث مع الأقطاب الأربعة: البدوي والدسوقي والرفاعي والجيلاني، مع الأبدال والنقباء، والسيدة زينب هي رئيسة الديوان (فيما يبدو هذا حال حضورها؛ لأن مفوض رئيس الديوان عندهم هو القطب الغوث من الأحياء، ولأنهم ينصون على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ربما حضر الديوان وساعتها يترأسه!).
وهذا الديوان المكذوب سيزعمون أنه مفوض من الله في قضاء حوائج العباد، وهؤلاء البشر هم من يقرِّر حاجات البشر!
وكيف تصل الطلبات لهذا الديوان؟!
