أكذوبة حتمية الاستجابة وأثرها في رواج التوسل البدعي والشركي
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
يزعمون أن لكل منطقة صاحب تصريف ترفع طلبات أهلها من خلاله!
كل هذا الكذب على الله ليس له من مستند إلا أن البعض جاءه كشف ففتح له هذا العالم (الذي يسميه بعضهم الملكوت!)، وعندما علموا أن السيدة زينب رئيسة الديوان رفعوا إليها الحاجات، فوجدوا الاستجابة دائمًا لمن يطلب منها فصدقوا هذا الكشف! (راجع هذا المقطع: https://www.facebook.com/reel/1388226393059517 ).
لقد كتب كثيرون عن حكومة العالَم الباطنية كما يتوهمها الصوفية، وكنا نتعجب أنه مرَّ على الناس زمان كانوا يعتقدون فيه مثل هذه الخرافات؛ فإذا بنا نفاجأ أنها ما زالت تعيش بين أظهرنا -وإنا لله وإنا إليه راجعون-.
وعند مَن يعتقد أن للعالم حكومة باطنية، سيكون دعاء الله لا طائل منه البتة (ونستغفر الله من قول هذا القول المنكر!)، ولكن هذا حاصل قولهم، والمشاهَد من فعلهم!
فالله عندهم قد فوَّض التصرف للديوان، فلم يعد هناك مجال لرفع الطلبات إلا للديوان.
بالإضافة إلى أن رفع الطلبات إلى الله -فتكون كما هو مقرَّر عند علماء الشريعة-: فإما أن يستجاب لك، أو يدخر لك.
بينما رفع الدعوات للديوان في زعم الصوفية مصيره الإجابة الحتمية! فإذا لم تأتِ الإجابة يقولون: لعلك لم تخضع لشيخك كما ينبغي، أو لعلك شككت أو لعلك... وفي النهاية يرهبون مَن يقع في براثنهم أن يعيد مناقشة فرضية حتمية الاستجابة المدعاة!
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ "محمد عبده" فيما نقله عنه الشيخ "علي محفوظ" في كتابه: "الإبداع في مضار الابتداع" في الفصل الذي عَنْوَن له: بـ"بدع أرباب الطرق"، وساق كلامًا للشيخ محمد عبده اعتذر فيه عن الصوفية الأوائل في استعمال الألفاظ الرمزية، وفي تقريرهم قاعدة المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي مغسله.
ثم تابع الشيخ محمد عبده قائلًا: "فتبيَّن من هذا الإجمال: أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا شريفًا، وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض؛ لأن صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم. ولكن تلك المقاصد الحسنة قد تغيَّرت، ولم يبقَ من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها: ذِكْرًا -يتبرأ منه كل صوفي-، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا أتلف عقائد البسطاء؛ فاعتقدوا أن لهم سلطة غيبية فوق الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمته تعالى ومشيئته، بها يديرون الكون ويتصرفون كما يشاءون! وأنهم قد تكلَّفوا بقضاء مطالب مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهو اعتقاد مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة السلف من: الصحابة والتابعين والمجتهدين".
إلى أن قال: "وأقبح من هذا: زعمهم أن الشريعة غير الحقيقة، فإذا ارتكب أحدهم ذنبًا، فأنكر عليه منكِر، قالوا في الجاني: إنه من أهل الحقيقة؛ فلا اعتراض عليه، وفي المنكِر: إنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه! كأنهم يعتقدون أن الله أنزل للناس دينين، وأنه يعاملهم معاملتين -حاشا لله!-".
ثم أخذ يعدد مفاسد الموالد وما يكون فيها، ولكن الشاهد هنا قوله: "فاعتقدوا أن لهم سلطة غيبية فوق الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمته تعالى ومشيئته، بها يديرون الكون ويتصرفون كما يشاءون، وأنهم قد تكلفوا بقضاء مطالب مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهو اعتقاد مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة السلف من: الصحابة والتابعين والمجتهدين".
ولتكريس هذه العقيدة لا بد من ذكر كرامات للشيخ في حياته تتعجب معها، ولماذا إذًا لم نفتح الأرض من مشرقها إلى مغربها، ولدينا مَن يملكون تدبير شئونها، بل ولهم سلطان غالبًا خارج هذا العالم؛ فالجزيرة التي نَفَى إليها البدوي ابنَ دقيق العيد -رحمه الله- في زعمهم تبعد عن القاهرة مسيرة 60 عامًا!
ولا بد من كمٍّ من الكذب والكذابين لتأكيد أن هذه الكرامات مستمرة بعد الممات!
وتذهب إلى البدوي -وغيره- في كل عام آلاف الراغبات في الإنجاب، فإذا قُدِّر لإحداهن أن تنجب بعد الذهاب إليه -لأنه جاءها أجل حملها، أو لأنها كانت بالفعل تتناول علاجًا، وقدَّر الله أن يأتي بنتيجته، أو لأنها مع ذهابها للبدوي سألت هي ربها بتضرع، أو لأي سبب-؛ فحينئذٍ لا يَنْسِب سدنةُ البدوي الفضل إلا إليه!
وأما غالب من ذهبن ولم يقدر الله لهن الحمل، فسوف يقال لهن: إن نذرهن لم يكن كافيًا، أو أنهن شككن في الولي، أو أي شيء آخر؛ إلا الإخلال بقاعدةِ "حتمية استجابة الطلبات التي ترفع للبدوي!"، وكيف لا تتم وهو الذي جاء بالأسير بيده من المنصورة وهو في حجرته في طنطا؟!
ولنترك قصص الحمل والولادة، والزواج، والنجاح التي يحملها البسطاء، ويستثمر سدنة تلك المشاهد حاجة هؤلاء فيأخذونهم من طريق دعاء الله وحده إلى دعاء غيره، مسوغين ذلك لهم: بأن هذا توسل قرَّره أهل العلم -لديهم- حتى في صيغ الدعاء الصريح -كمددٍ، ونحوها-!
لنترك هذه القصص ولنسأل سدنة الطرق الصوفية:
- لقد ظهرت طرقهم مع ظهور الصليبيين وغزوهم لبلادنا؛ فأين كانت كرامات القوم ليصدوا الصليبيين عن بلادنا، ويحطموا سفنهم في الطريق أو حتى يجعلوا النصر حليفنا، أو يحرروا لنا أسرانا؟! بدلًا من إعطاء البدوي وصف أنه جاب لنا الأسرى لكونه -في زعمهم- أتى بشاب أسير لأمه، وادعاء أنه كان يأتي بالأسرى المسلمين الأسرى بعد مماته للاحتفال بمولده وهم في قيودهم (وظاهر القصة أنهم كانوا يرجعون مرة أخرى كأسرى!)، وأنه أنقذ أسيرا آخر بعد وفاته بقريب من ثلاثمائة سنة فأتى به فألقاه على مئذنة مسجد حتى وجده الشعراني!
- إن أهل الحق يثبتون أن الله يبتلينا بما شاء فلا يستشكلون شيئًا من قَدَر الله المكروه، ولكن يراجعون إيمانهم وتوكلهم وتضرعهم، ويراجعون أخذهم بالأسباب، ثم إذا وقع البلاء أو استمر صبروا ورجوا أن يوفيهم الله أجرهم بغير حساب، وبينما يجري ذات القدر على من وقع في براثن المتصوفة، لكنهم يشغبون عليه بكذبهم أن الخلاص حتمي شريطة أن يبالغ في تقديم القرابين لسدنة القبور، وأن يستمر في الابتعاد عن الحق المبين.
